العلاقه بين الشهاده الدراسيه والوظيفه
في أخر 5 سنوات تقريبا بدأت أستمع لبعض الأراء وهي أراء تنادي بربط مخرجات
الجامعات بفرص العمل كأحد الحلول من وجهه نظر أصحاب هذا الرأي بتقليل نسب البطاله
في أي مجتمع من المجتمعات حيث أن هناك تكدس في تخصصات معينه لم يعد بحاجه لها سوق
العمل سواء في الجهات الحكوميه أو الخاصه لذالك ينادي أصحاب هذا الأتجاه بوقف
القبول بشكل تام أو بصفه مؤقته في أي تخصص لم يعد سوق العمل يحتاج إليه
مع أحترامي الشديد
لهذا الرأي وكافه الأراء المطروحه
لكن ما مدي خطوره هذا
الطرح من وجهه نظري الشخصيه :
من البديهي أن العلم بكافه تخصصاته سواء
العلميه أو الأدبيه هو غايه نبيله بحد ذاته وليس وسيله أو جسر عبور لأهداف حياتيه
أخري وعندما يتم ربط التخصص العلمي بسوق العمل فقد تم تجريد العلم من عليائه
وأنزاله لمستوي العرض والطلب وبهذا يفقد العلم أهم ركن من أركانه وهو أنه غايه بحد
ذاته وليس وسيله أو سلعه قابله للزياده أو النقصان طبقا لقانون السوق وهو العرض
والطلب
أثناء دراستي في الولايات المتحده الأمريكيه لاحظت أمر جدا جميل في معظم الجامعات الأمريكيه بشتي تصنيفاتها سواء الجامعات التي تحتل المراتب الأولي في التصنيف العالمي مثل جامعه هارفارد وغيرها من جامعات عريقه أو الجامعات الأقل شهره عالميا لكن جميع الجامعات الأمريكيه بغض النظر عن ترتيبها في التصنيف تضم معظم التخصصات الدراسيه الرئيسيه بشقيها الأدبي أو العلمي بل هناك تخصصات أضافيه غير شائعه في العاده في الجامعات بكثره ومنها الفنون والموسيقي والتي عاده تكون لها معاهد مستقله لتدريسها ولم أسمع يوما من ينادي بغلق أي تخصص لايحتاج له سوق العمل الأمريكي !
من أراد ربط تخصصه بسوق العمل له حريه الأختيار ومن أراد ربط تخصصه بشغفه وحبه للتخصص أيضا له حريه الأختيار حيث أن التخصصات العلميه لها كيان مستقل بذاتها لأنها قيمه علميه كغايه وليست وسيله
رغم أن المجتمع الأمريكي فرص العمل به جدا
صعبه ولا بقاء به إلا للأصلح وهناك تنافس كبير جدا لنيل أي وظيفه حيث أن الوظيفه
ليست مضمونه مدي الحياه بل مرهونه بأنتاجيه الموظف وبراعته وأبداعه في مجاله ورغم
ذالك لم أشاهد من يطالب بغلق تخصص أكاديمي محدد فقط لأن سوق العمل لايحتاج إليه !
وهذا ينطبق في كثير من الجامعات العالميه في أوربا كذالك
جميع التخصصات التي تخطر في البال والتي
لاتخطر وربما لاتدرس إلا في الولايات المتحده متوفره في معظم الجامعات الأمريكيه
تقريبا والتي تتعدي 4000 جامعه تترواح في قوتها في التصنيفات العالميه بين قويه
جدا ومتوسطه وعاديه والرابط المشترك بين كافه جامعات الولايات المتحده الأمريكيه
بغض النظر عن الميزانيه السنويه المخصصه للجامعه سواء كانت ميزانيه ضخمه أم هزيله أن
كافه الجامعات تقريبا لديها معظم التخصصات التي يطالب البعض في مجتمعاتنا بأيقاف
القبول بها بحجه أنها تخصصات غير مطلوبه في سوق العمل سواء كانت أدبيه أو علميه
أمريكا بلد العلوم الأول في العالم والأتجاه والمناخ السائد علميا وتكنلوجيا من الطراز الأول ورغم ذالك لم أشاهد أي عالم أو كاتب رأي متخصص في العلوم ينادي بغلق التخصصات الأدبيه أو الفنيه أو الموسيقيه بحجه أن المجتمع الأمريكي يمجد التخصصات العلميه بل أثناء دراستي في مرحله الماجستير في تخصص الفلسفه كان معي في برنامج الدراسات العليا من كان متخصص في الهندسه أو الطب أو القانون أو الفيزياء وأيضا الصيدله أو البرمجيات اللإلكترونيه
كثير من أصحاب الأهتمامات العلميه في
الولايات المتحده الأمريكيه لهم أيضا بذات الدرجه أهتمامات أدبيه في تخصصات أخري
أو فنيه كالموسيقي والفنون بشتي أنواعها
العلم قيمه بحد ذاته في الولايات المتحده
الأمريكيه لذالك يتم طرح أغلبيه التخصصات العلميه والأدبيه في معظم الجامعات سواء
يحتاجها سوق العمل أم لايحتاجها فلا يتم الربط نهائيا بين العلم والعمل حيث لو تم
الربط فيما بينهم أكاد أجزم أن أكثر من 60% من تخصصات الجامعه سيتم غلقها بما فيها
تخصصات علميه دائما يتم الطلب عليها
نظريه العرض والطلب ليس لها أمان فما هو مطلوب
اليوم غدا لن يعود مطلوبا فهذه النظريه في الأساس تجاريه بحته وتصلح في عالم
التجاره والأعمال ولا تصلح في عالم العلم والمعرفه فكيف يتم ربط ماهو تجاري بقيمه
مجرده بذاتها مثل العلم وكيف ربط ماهو مؤقت في قيمته بما هو دائم القيمه !
الأنسان المثقف في الولايات المتحده وأكرر (
المثقف ) وليس الأنسان العادي دائما نهم للعلوم ولايكف عن طلب العلم في أي مرحله
عمريه فأتذكر كانت معنا في برنامج الماجستير في الفلسفه طالبه تعدي عمرها 60 عاما
كانت تقول أنها تحب الفلسفه جدا وكانت
هوايتها الأطلاع علي كتب الفلسفه لكنها أرادت أن تصقل هذه الهوايه بأن تدرس
الفلسفه بشكل أكثر تعمق وبمنهج أكاديمي فسر تسجيلها في برنامج الماجستير في عمر 60
عاما ليس بحثا عن عمل بل توقا للعلم وحبا للمعرفه وهي حاله من عده حالات كثيره
مشابهه في المجتمع الجامعي الأمريكي أو الأوربي بشكل عام ومن المألوف جدا أن تشاهد
بروفيسور في الجراحه لديه تخصص أخر في الفنون أو التاريخ أو الأدب أو الموسيقي ويواصل دراسته الجامعيه في أي مرحله عمريه كانت حتي لو بلغ الثمانون عاما لاسيما في الدراسات العليا فلا عائق أمام التحصيل العلمي وكافه التخصصات متاحه
الثقافه الغربيه عموما تعلي من شأن العلم والأطلاع لذالك من المشاهد المألوفه لأي زائر لأي بلد أوربي أو في أمريكا الشماليه أن تجد معظم مستقلي المواصلات العامه منشغل بكتاب أو روايه أثناء الطريق أو جالس مع ذاته في حديقه عامه وبيده كتاب أو قصه للقراءة سواء الكتب الورقيه التقليديه أم الكتب الألكترونيه التي يستطيع أي أنسان قرائتها في أي وقت وأي مكان من جهاز الجوال التابع له
حب العلم والأدب والفنون هو سر التكامل
المعرفي للأنسان والمجتمعات علميا ووجدانيا وهو مبدأ أدركته الثقافات التي تؤمن
بالعلم كقيمه مستقله بذاتها لاتخضع للظروف الأخري ولا تستمد قيمتها من قيم خارجيه
لذالك كافه الجامعات الأمريكيه سر شهرتها
العالميه يكمن بأنها تقدس العلوم كغايه وليست وسيله وهذا هو سر تصدر الجامعات
الأمريكيه كافه جامعات العالم وسمعتها الحسنه العلميه في شتي التخصصات لذالك يقبل
الطلاب من شتي أنحاء العالم للدراسه في الولايات المتحده الأمريكيه منذ زمن بعيد
نظرا لما تتمتع به الجامعات الأمريكيه من تميز وقوه أكاديميه وطرق تدريس مبتكره في
كافه فروع الدراسات العلميه أو الأدبيه سواء في مرحله البكلريوس أو الدراسات
العليا (الماجستير / الدكتوراه )
فأسوأ جامعه في الولايات المتحده ربما تتفوق
في التصنيف العالمي بمراحل علي أفضل الجامعات في مناطق جغرافيه أخري من العالم
ومن جهه أخري /
ربط سوق العمل بتخصص مطلوب وأخر غير مطلوب أضافه لأن هذا الربط بحد ذاته به تقليل من قيمه العلم كغايه وليس وسيله سيؤدي أيضا يوما ما بأن يتم أيقاف تخصص مثل الطب ! نعم فهناك دول علي مستوي العالم لديها كم فائض جدا من خريجين الطب فهل يتم أغلاق كليه الطب ؟!
في
بعض المجتمعات في شتي أنحاء العالم لايجد خريج الطب عمل بسهوله رغم أنه خريج طب
وبتنا نشاهد خريجين هندسه لايجدون عمل فهل يتم غلق كليه الهندسه والطب أو بعض التخصصات
المتفرعه من الطب والهندسه لحين العوده علي الطلب ؟!
ماذا لو جاء اليوم الذي نشاهد به أن معظم التخصصات الجامعيه علميه كانت أم أدبيه ليس لها سوق عمل هل نغلق الجامعات نهائيا ؟!
وبالتبعيه نلغي المراحل السابقه للمرحله
الجامعيه مثل الثانويه العامه لعدم جدواها لأن معظم التخصصات الجامعيه غير مطلوبه
! هل يتم الأكتفاء بتعليم الجيل الشاب القراءة والكتابه وأنتهي الموضوع ! فلماذا
يدرس الطالب الثانويه وهو يعلم مسبقا أن الجامعات مغلقه لحين عوده الطلب عليها
؟!!!
سلبيات وأيجابيات في
نقاط :
من سلبيات ربط العلوم بسوق العمل فقط وليس بالعلم ذاته هو تكريس مبدأ أن العلم وسيله في نفوس الشباب وليس غايه بذاته وهذا سيؤدي بالتبعيه الي دخول أعداد كبيره من الطلبه الي تخصصات في نظر وجدانهم هم غير راغبين بها كليا وليست قريبه من ميولهم الفكري أو الوجداني ولايملكون المهارات التي تؤهلهم للأبداع في التخصص وليس فقط أن ينال شهاده دراسيه في تخصص معين وشتان بين مبدع في تخصصه وبين مجرد شخص متخصص
سر أزدياد العلماء والأدباء والفلاسفه والموسيقيون وكافه المبدعين في العالم الغربي عموما هو أن الطالب حين يحب تخصص معين ويجد ميوله الوجدانيه والفكريه متوافقه معه فيجد التخصص متوفر ومتاح في الجامعه وليس ملغي بسبب سياسه العرض والطلب
ربط
العلم بسوق العمل هو السبب بتكدس أعداد بعض من حمله الشهادات الجامعيه دون أنتاجيه
فعليه لهم في سوق العمل والعله بذالك ليس التخصص ذاته بل عدم قناعه الطالب بالتخصص
وهو فقط أستمر به لأنه جسر عبور لراتب ومزايا وظيفيه أو ماليه وليس حبا بالتخصص (
بالطبع ليس الجميع البعض فقط )
سبق أن تحدثت وأشرت أن الحصول علي الشهاده الجامعيه لايتطلب أن يكون الطالب في حاله عشق وحب وأنسجام مع تخصصه أو عبقري فأي أنسان يستطيع الحصول علي الشهاده الجامعيه إن أتبع أرشادات أستاذ الماده واللوائح والنظم طبقا لكل جامعه علي حده وحينها سيتخرج حتي لو بدرجه مقبول لكنه سيتخرج في نهايه المطاف كمتخصص في تخصص ما
أما من كان في حاله غرام وحب وهيام مع تخصصه الأكاديمي فلن يطلق عليه مجرد طالب حصل علي الشهاده الجامعيه بل سيصبح خريج مبدع ومبتكر بل ولن ينفصل في حبه وغرامه عن تخصصه بل سيتمر في حاله حب وغرام مع التخصص للأبد سواء عمل في مجال التخصص أو لم يعمل
الأطباء في العالم كثر والمهندسين في العالم كثر ودارسين العلوم عموما أو الأداب بشتي تخصصاتهم الأدبيه كثر لكن قله قليله هي من أبدعت في تخصاتهم وساهموا في أبداعات لم تعود منافعها علي مجتمعاتهم فقط بل علي العالم بأسره
ولهذا نجد التفوق المعرفي والعلمي والصناعي والأدبي والفني للمجتمعات التي تؤمن بالعلم كقيمه بذاته ومن يؤمن بالعلم كقيمه وليس وسيله حتما أنه لن يقدم علي تخصص لايتماشي مع ميوله وهذا سر أن جائزه نوبل في العلوم و الأداب علي سبيل المثال وليس الحصر تذهب في الغالب الأعم للعالم الغربي سواء من أوربا أو كندا أو أمريكا
وليس في ذالك سر لأن أغلب المبدعين درسوا تخصصاتهم بحب وغرام وعشق ودائما يجدون التشجيع المستمر وتسخير كافه أمكانيات البحث العلمي أو الأدبي لهم وأزاله أي عوائق في سبيل أبداعاتهم مع جو ومناخ عام محفز للأبداعات والأبتكارات بشتي أنواعها وفي شتي المجالات
أي مجتمع في العالم سيرتقي بتكامل المعارف
الأنسانيه سواء العلميه أو الأدبيه والأيمان الحقيقي بقيمه العلم في ذاته وقيمه
الثقافه في ذاتها
وسبق أن تحدثت عن الفرق الشاسع بين العلم والثقافه فليس
كل عالم أو متخصص في مجال معين مثقف وليس كل مثقف بالضروره حاصل علي شهاده جامعيه
فثقافه البعض أحيانا ممن لم يحصل علي شهاده جامعيه تفوق من هو حاصل عليها بمراحل لأن الثقافه مفهوم واسع وأشمل من العلم وتشمل شتي المجالات وتمثل خلاصه
البناء الذاتي للأنسان والمستمره معه منذ ميلاده حتي مماته وتشمل التجارب الحياتيه والقراءات المتنوعه التي يطلع عليها
والتعامل مع أنماط من الشخصيات المتنوعه والعين الفنيه والأذن الموسيقيه .....الخ
من منظومه متكامله شكلت ما يسمي بالأنسان المثقف
لا يعد كل قارئ مثقف فالقراءة بحد ذاتها ليست دليلا علي أتساع أفق فكر القارئ
أتساع الأفق هو
الهدف من الثقافه أما من يقرأ في مجال محدد أيا ما كان هذا المجال ولا يحيد عنه
فلن يكون واسع الافق وسيضل يدور في حلقه مفرغه ويطلق عليه متخصص في مجال محدد ولكن
لايطلق عليه مثقف
المجتمعات تحتاج
المتخصص لاسيما المبدع لتتطور
والأنسانيه تحتاج المثقف لتزدهر ويعم السلام الروحي الحياه وما أجمل من أنسان يجمع
التخصص والثقافه في أن واحد
وفي الجهه الأخري نجد أن عدم النظر للعلم أو الثقافه كغايه بحد ذاتها ينتج عن ذالك أن يتم أعتبار العلوم أو الثقافه وسيله لأهداف أخري منها علي سبيل المثال وليس الحصر ربط العلم أو الثقافه كما ذكرت أعلاه بمزايا ماليه أو بالوجاهه الأجتماعيه وهذا ما دمر رقي المعني الحقيقي للعلم أو الثقافه وساهم بظواهر سلبيه في بعض المجتمعات
والحل الأمثل لهذه المعظله هي أن يكون عملك هو حبك
وتخصصك الدراسي هو عشقك وثقافتك هي أسلوب حياتك ومتي ما كانت العناصر الثلاث
مجتمعه حتما أنت أنسان مميز
أحيانا ولظروف معينه أقتصاديه كانت أو غيرها يكون مجال عملك
مختلف عن تخصصك لكن الأهم أن يكون عملك هو حبيب للقلب فلن تبدع في عمل لايهواه
قلبك سواء كنت موظف أو لك عملك الخاص لأنه ملازم لك طيله مراحل حياتك حتي شيخوختك
لذالك لابد أن يكون ساكنا في الفؤاد فمهما كان العائد منه مجزي أذا لم تكن تحبه من
الأساس فعوائد العالم أجمع لن تجعلك تتقبله أنت فقط ستتأقلم معه وشتان بين التقبل
والتأقلم ؟!
وذات الأمر بشأن التخصص الدراسي لابد يكون تخصصك محبب
للعقل فعشق العقول دائما للعلوم علميه كانت أم أدبيه ولن تبدع في تخصص لايعشقه
عقلك وأن تكون ثقافتك لصيقه بوجدانك فالروح تعشق الأكتشافات والأطلاع المستمر
فالروح دائما تهوي الأنطلاق ومفهومي للثقافه هي أنطلاق العقل والروح في رحله
مستمره للأطلاق والتجارب الحياتيه والقراءة والفنون والأدب والعلوم وهذه الرحله
المعرفيه منذ الميلاد وحتي أخر لحظه من الحياه لذالك الثقافه هي أسلوب حياه
اربط عملك أو تخصصك
أو هواياتك بالحب حيث تكون كافه خياراتك نابعه من حب حقيقي لما تختار حتي لا يأتي
وقت من أوقات حياتك تشعر بأنك لم تحيا الحياه التي تريدها علي جميع الأصعده سواء
الدراسيه أو الوظيفيه أو العاطفيه أو الثقافيه حيث أن لك حياه واحده فقط مليئه
بعده أختيارات هي في الواقع ستكون الشكل الحقيقي لحياتك فإن كان شكل حياتك بالعموم
ليس كما تمنيت ففي أغلب الأحيان يكون السبب أنك أخترت ما ليس لك ولا يلائم وجدانك
أو أفكارك
