السبت، 24 أغسطس 2024

أعماق سطحيه

 أعماق سطحيه


منذ فجر بدايه تاريخ وجود الأنسان علي سطح هذا الكوكب والذي يعد حديثا نسبيا مقارنه بعمر كوكب الأرض أو عمر الحياه علي كوكب الأرض وعمر الكائنات الحيه الأخري التي سبقت وجود الأنسان في التواجد في سطح هذا الكوكب حيث أثبتت الدراسات في أكثر من تخصص منها علي سبيل المثال وليس الحصر تخصص التاريخ وتخصص علم الأحياء و تخصص الأنثروبولوجيا أو مايعرف بعلم الأنسان وغيرها من تخصصات ودراسات بحثيه ذات صله بدراسه عمر الأنسان علي كوكب الأرض وعمر كوكب الأرض ذاته حيث أثبت العلماء بشتي تخصصاتهم أن عمر الحياه علي كوكب الأرض ناهز تقريبا 4 مليارات عام وأكرر 4 مليارات وليس 4 ملايين بل مليارات عام !

 

أما عمر الأنسان في تواجده علي كوكب الأرض فهو لايتجاوز علي أفضل الأحوال 350 ألف عام فقط !! أي أن الحياه علي كوكب الأرض سبقت وجود الأنسان بثلاث مليارات ونصف عام أو أكثر بقليل تقريبا !

 

كذالك أثبتت الدراسات الأحفوريه وجود كائنات متعدده حيه سبقت وجود الأنسان علي كوكب الأرض وبعضها أنقرض والأخر مازال متواجد والأخر تحور الي سلسله متطوره من الخلايا كبعض أنواع الحشرات التي تكيفت مع التغيرات الجيولوجيه التي مرت في الحقب المختلفه علي تكوين كوكب الأرض

 

 

الأنسان الضيف الحديث علي كوكب الأرض قياسا بعمره البيلوجي أزعج كثيرا التنوع الطبيعي لأشكال الحياه في هذا الكوكب فعبر 300 ألف أو 350 ألف عام أحدث الأنسان تخريبا لحياه أمتدت لأكثر من ثلاث مليارات ونصف عام قبل تواجده !

 

لم تفعل الكائنات الأخري من تخريب للبيئه مثلما فعل الأنسان فهو الكائن الوحيد الذي دمر العديد من أشكال التوازن البيئي علي سطح الكوكب فمن خلال الأنسان حدث ثقب الأوزون فوق أستراليا ومازال يؤثر في قشره الغلاف الجوي للأرض ومن خلال الأنسان تدمرت معظم الغابات الطبيعيه في العالم حيث أدي قطع الأشجار المتواصل لأستخدام أخشابها في صناعه الأثاث والتفاخر ببعض أنواع الأخشاب في صناعه بعض أنواع أثاث المنزل للتباهي ودخول الأخشاب في الكثير من الصناعات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أدي ذالك الي دمار هائل في كثير من الغابات حول العالم مما جعل الأمم المتحده وعن طريق منظمات حمايه البيئه التابعه لها ومثقفين وعقلاء العالم الي أعتبار الغابات المتبقيه التي مازالت لم تتعرض الي دمار كبير أنها محميات طبيعيه

 

فكره أنشاء المحميات الطبيعيه كانت نتيجه أزدياد الوعي الفكري للأنسان للحفاظ علي التوازن البيئي وعلي بعض الحيوانات من الأنقراض حيث أن الأفكار تطورت عبر تاريخ تواجد الأنسان خلال 350 ألف عام فتفكير الأنسان اليوم مختلف في وعيه ودرجه أدراكه للأمور عن الأنسان الذي كان قبل 200 الف عام لذالك من البديهي أن يكون الأنسان قديما يقطع الأشجار لأستخدامها في التدفئه أو غيرها من أستخدامات بسيطه ولكن الأنسان قديما لم يكن يفعل ذالك عن تعمد بل عن جهل بأخطار هذا الفعل لأن درجه الوعي لديه بالكاد تمكنه من الحفاظ علي حياته وتدبير طعامه

 

أرتفعت درجه الوعي بالتدريج عبر كافه الحقب التاريخيه مروروا بكافه الحضارات الأنسانيه حتي وصلنا الي أنسان اليوم الذي وصل الي درجه من الوعي مكنته من أدراك أن بعض الممارسات التي راففقت بدايات عصر الصناعه ستدمر كوكب الأرض الذي يعد المأوي لبني الأنسان وهذا النوع من التفكير يعد تحول جذري في وعي الأنسان حيث أصبح يهتم بالبيئه المحيطه به وسلامتها بعدما كان أهتمامه منصبا فقط علي أستغلال هذه البيئه لصالحه

 

التحول من الأستغلال للبيئه الي المحافظه علي البيئه لم يصل لها الأنسان المتحضر إلا بعدما بدء يلاحظ تغيرات حقيقيه ملموسه في البئيه سواء البيئه البحريه والتدمير الذي أصابها جراء بعض الأنشطه الأنسانيه أو أصاب بعض الكائنات البحريه والتي أصبحت مهدده للأنقراض أو الغلاف الجوي أو البئيه البريه أو المسطحات الخضراء أن ناقوس الخطر بدء يكون واضحا للعيان حتي للأنسان البسيط بعدما كان هذا الخطر ملحوظ فقط عند علماء البيئه

 

لذالك ومن خلال الأحساس بالخطر علي سلامه المكونات الأساسيه للحياه في كوكب الأرض أصبحت دول كثيره والتي تتمتع بوجود غابات خضراء في أراضيها الي سن قوانين صارمه بعقوبات تصل الي السجن عشرون عاما عدا عن غرامات ماليه فلكيه  لمن يقتلع الأشجار

 

في البرازيل علي سبيل المثال وليس الحصر سنت الحكومه البرازيليه سلسله من التشريعات تهدف الي حمايه غابات الأمازون من الدمار البيئي وتجول شرطه البيئه البرازيليه خلال 24 ساعه وعن طريق الطائرات ورادارات خاصه لمتابعه العصابات التي تخصصت بقطع الأشجار وغيرها من أفعال تضر التوازن البيئي في الغابات

 

 الغابات والمسطحات الخضراء لها دور بارز في نقاء الجو وسحب ثاني أكسيد الكربون وضخ الأوكسجين النقي في الهواء لكوكب الأرض قاطبه وليس فقط للدول المتواجده بها الغابات وبدمار الغابات بدء كوكب الأرض بالضرر تدريجيا ويتوقع العلماء أذا أستمر الوضع علي ماهو عليه سيشهد العالم تحولا جذريا في التوازن البيئي لكوكب الأرض والذي قد يجعل من كوكب الأرض رسميا كوكب غير صالح للحياه

 

شاهدت برناج وثائقي أمريكي بأشراف وكاله ناسا للفضاء يتحدث أحد علماء الفضاء أن المحاولات المستمره لأكتشاف كواكب أخري في الفضاء ليس ترفا أو عمل للأستعراض العلمي بل أنه ضرره ملحه لتوقع العلماء أن كميات الأوكسجين ستنخفض تدريجيا علي كوكب الأرض أذا لم تدارك الحكومات حمايه الحياه علي الأرض

 

ربما الحديث عن هذا الموضوع قبل مائه عام يعد خيال علمي أو ترفا فكريا يناقشه البعض في الصالونات العلميه أو الأدبيه لكنه اليوم حقيقه دامغه تحتاج تكاتف كافه شعوب العالم لحمايه الكوكب الذي يجمعهم ولايوجد بديل أخر له حتي اليوم !!!

 

مثلما يحمي الأنسان وطنه من الأعداء أصبح لزاما أن يحمي الأنسان كوكبه الوحيد الذي يوفر له الحياه من خلال زياده الوعي البيئي الذي بدءت كثير من الحكومات في العالم المتحضر بتخصيص ماده ألزاميه في المدارس والجامعات تعرف الطلاب بأخطار أنقراض الحياه علي الأرض وماهو الدور المطلوب منهم لأن الوعي الثقافي للخطر الصامت القادم دون ضجه لكوكب الأرض هو خط الدفاع الأول لأن الأحساس الفردي بالمسؤوليه تجاه الحياه علي كوكب الأرض لايقل شأنا عن أي أجراءات قانونيه تقوم بها الحكومات لحمايه البيئه بل أن الوعي الفردي سيسهل عمل الحكومات وأصبح من معايير قياس الأنسان المثقف هو مدي حرصه علي البيئه

 

يتوقع بعض العلماء أنه بعد 150 عام من اليوم فقط قد يستقيظ البشر فجأه من نومهم بسبب حالات أختناق فجائيه ناتجه عن زياده منسوب ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وتقلص نسبه الأوكسجين وسيصاب كثير من البشر أثناء النهار وأثناء القيام بأعمالهم الروتينيه المعتاده بالأرهاق وقله التركيز وقل النشاط جراء أنخفاض الأوكسجين عن المعدلات التي يستطيع الأنسان من خلالها الأستمرار في الحياه كمن يصعد قمه جبل سيلاحظ قل الأوكسجين قياسا بسطح الأرض لذالك عندما يسافر الأنسان بالطائره يكون الهواء داخل الطائرات مظبوطا ومظغوطا بقياس سطح الأرض وأي خلل بذالك ستهبط أقنعه الأوكسجين تلقائيا لأنقاذ الركاب من الأختناق

 

هذا ما سيحدث بعد 150 عام وهي فتره تقديريه فقط لعلماء الغلاف الجوي قد تطول أو تقل أو تتلاشي أذا أستطاع الأنسان أيقاف تدهور البيئه والتي أثرت بشكل كبير علي تغير الفصول ففي بعض المناطق من العالم تأخر قدوم الفصول عن موعدها بل هناك مناطق جغرافيه في العالم أختفت بعض الفصول نهائيا وأصبح العام برمته فصل واحد أو فصلين وليس أربع فصول وهنا لا أتحدث عن المناطق أو الدول المعروفه سلفا بوجود فصلين بها بل أتحدث عن بعض الدول والمناطق الجغرافيه سواء المأهوله بالسكان من عدمه لاحظ العلماء أن الفصول الأربعه أما أنها تقلصت الي فصلين وهو عكس ماكان موجود قبل التدهور البيئي أو أن الفصول تداخلت وتغيرت مواعيدها فدخول الصيف في وقت مبكرا عن موعده أو العكس أضافه الي ملاحظه هامه في العالم حاليا وهي تغير درجات الحراره وزيادتها عن المعدل والذي سيدمر كثير من أشكال الحياه علي كوكب الأرض بسبب تخريب الغلاف الجوي الناتج من أنشطه الأنسان الضاره بالبيئه وهي أنشطه متعدده كثيره أذا أستمرت كما هي عليه فمصير الأنسان الهلاك الحتمي فالأنسان العادي يتوقع أن يكون سبب وفاته مرض عضال أو سكته قلبيه مفاجئه أو حادث سياره أو حروب أو زلزال ....الخ لكنه لا يتوقع أن يكون سبب وفاته هو الأختناق المفاجئ بسبب قل الأوكسجين وهذا سيكون من الأسباب القادمه أذا لم يتدارك الوضع

 

كثير من الحكومات حاليا في العالم تحاول أيجاد خط وسط بين المحافظه علي التطور الصناعي والتقني وبين المحافظه علي التوازن البيئي للغلاف الجوي لكوكب الأرض عن طريق أجراء تعديلات في أنظمه التشغيل وأيجاد مولدات للطاقه لاتحدث أضرارا في البيئه ونلاحظ أن هناك في مجال الطيران علي سبيل المثال وليس الحصر بعض أنواع الطائرات لاتستهلك وقود كثيرا خلال فتره الطيران مهما طالت وفي ذات الوقت نسبه أنبعاث الغازات في الغلاف الجوي من محركات الطائره تكاد لا تذكر قياسا بالطائرات القديمه التي تستهلك وقود أكثر ونسبه أبعاثات عاليه جدا وهناك عده تشريعات ربما ستصدر من بعض الحكومات حول العالم بألزام شركات الطيران والسيارات وغيرها بعدم أستخدام أي أنواع قديمه ومن لا يلتزم سيتم حظره من الطيران أو أستخدام السيارات القديمه ....الخ من وسائل تعد محاوله أنقاذ ما يمكن إنقاذه من المتبقي من صلاحيه الحياه علي كوكب الأرض للأجيال القادمه

 

 والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا السياق :

 هل كان الأخلال بالتوازن البيئي وما ترافق من أضرار بالغلاف الجوي فقط هي من نتائج عدم مبالاه الأنسان وأستهتاره بالطبيعه أم هناك أضرار أخري تسبب بها الأنسان بسبب سوء التقدير للأمور ؟

 

 في الواقع لم يكتفي الأنسان بالأضرار بالتوازن البيئي لكوكب الأرض بل في الواقع تسبب الأنسان بأخلال أخر لايقل شأنا عن الأخلال بالتوازن البيئي وهذا الأخلال يطلق عليه الأخلال القيمي ؟

 ماهو الأخلال القيمي ؟

 هناك فرع من فروع الفلسفه يطلق عليه فلسفه القيم أو الأكسولوجيا أي نظريه القيم وهي مبحث متخصص فقط في تناول كافه المواضيع المتعلقه بشتي صنوف القيم الأنسانيه بشتي مسمياتها فعلي سبيل المثال وليس الحصر :

 

الخير / الشر / الجمال / الحق / العداله / السعاده / الحياه / الموسيقي / الفنون / ......الخ من قيم متعدده كانت صلب نقاش فلاسفه القيم بجميع خلفياتهم الثقافيه وتنوع الرؤيا لكل منهم في تعريفه للقيم

 وناقشت نظريه القيم أحد أهم الأسئله في فلسفه القيم وهو هل القيم ذاتيه نسبيه أم أن لها وجود مستقل بذاته بغض النظر عن قناعه الأنسان بها من عدمه وهل تحديد القيمه لأمر ما يعود للذات المدركه أم أن الأشياء لها قيمتها المستقله سواء تم أدراكها أو لم يتم

 

في الواقع يعد الفيلسوف الألماني فريدرك نيتشه أحد أهم البارزين والرواد من فلاسفه القيم وذالك لأنه أحدث ثوره فكريه في مجال نظريه القيم حيث جعل من الأنسان سيدا للقيم ومن خلال الأنسان الذي أسماه نيتشه بالأنسان الأعلي أنه صانع للقيم وهو من يفرض قيمه الأشياء وهو من يقلل من قيمتها وهذا جعل من الأنسان المسيطر الأكبر علي كافه القيم في حياته وهذا الرأي أثر علي فلسفه الأخلاق تأثيرا بالغا فمن وجهه نظر فريدرك نيتشه لايستمد أي أمر في الحياه قيمته من خلال أي أمر مستقل عن الأنسان حيث أصبح الأنسان هو المرجعيه الوحيده لكافه معاني القيمه وهذا يشبه ما ذهب إليه برتوجراس الأغريقي عندما قال أن الأنسان مقياس كل شيئ ولكن سياق مقوله بروتجرواس مختلف عن سياق فلسفه نيتشه وأن كان الظاهر متشابه

 

ودون الدخول في نقاش طويل ومفصل عن نظريه القيم والتي ستخرج القارئ الكريم عن صلب هذا المقال وكان الأستشهاد بنظريه القيم مجرد توطئه للأخلال القيمي الذي أحدثه الأنسان من خلال الصراع الجدلي بين القيم الموضوعيه والقيم المتغيره والنسبيه والتي تختلف بأختلاف الثقافات والأيدلوجيات والعمق الثقافي والعلمي والفكري حيث كان الأنسان منذ بدايات تواجده علي كوكب الأرض في صراع مستمر ودائم يتكون من شقين :

 

الشق الأول

هو صراع البقاء الجسدي ويدخل في طيات هذا النوع من الصراع كل ماله صله بالمأكل والمشرب وطرق أيجاد الطعام والدفاع عن الجسد من أخطار الحيوانات المفترسه عندما كان الأنسان يحيا في بيئات بدائيه وفي مواجهه يوميه مع الكائنات الأخري التي تفوقه قوه بدنيه ومن خلال هذا الصراع بدء الأنسان تدريجيا يبتكر كافه الطرق لصد الأخطار من الكائنات التي تفوقه قوه بدنيه كالأسود والنمور وغيرها ....الخ

 

الشق الثاني من الصراع

 

هو صراع البقاء المعنوي وفي هذا الصراع تدمرت كافه قيم التواصل بين البشر وتنبه الفلاسفه باكرا ومنذ الأغريق القدماء الي خطوره هذا النوع من أنواع الصراعات علي الحياه البشريه

 

الأنسان كائن مبرر ويلجأ دائما الي أبتكار تبريرات لأفعاله سواء تبرريات واقعيه أم وهميه هو من أبتكرها ومنذ فجر التاريخ تتصارع المجموعات البشريه علي أفضليه القيم التي تنادي بها وكل فريق يدعي أنه علي حق وباقي البشر علي باطل وتطورت هذه الفكره تدريجيا عبر تاريخ تواجد الأنسان علي سطح الكوكب مما سببت حروبا كثيره بين المختلفين فكريا بسبب أفتقار التوازن القيمي وهو لايقل شأنا عن الأخلال بالتوازن البيئي حيث أذا أصبح هناك خلل في البيئه الطبيعيه لكوكب الأرض سيؤدي ذالك لفناء كافه الكائنات الحيه بما فيها الأنسان وذات الأمر في حال كان هناك خلل في التوازن القيمي سيؤدي ذالك الي فناء البشريه وربما أيضا فناء الحياه برمتها علي كوكب الأرض لأن الأنسان تطورت في حروبه أدوات الحرب وصولا الي السلاح النووي

 

قرأت مقاله شيقه تلخص كتاب بعنوان الحرب النوويه للصحفيه الأمريكيه أني جاكبسون والتي قدمت من خلال كتابها لتصورها لما قد يحدث للعالم أذا أندلعت حرب نوويه وكيف يمكن لثلاث دول نووريه فقط أن تقتل مليارات البشر في أول 72 ساعه فقط من أندلاع الحرب النوويه !!!!

 

 وهي مقاله تبدوا خياليه لكن العلماء يعلمون أن كل ما جاء في الكتاب من توقعات سيحدث بالفعل أذا أندلعت حرب نوويه بين الدول النوويه الكبري في العالم بل أن ما جاء في الكتاب يعد لطيفا قياسا بالواقع الفعلي الذي سيحدث !

 

خلال 72 ساعه من أندلاع الحرب النوويه إن حدثت سيقتل ويتوفي علي أقل تقدير بين 3 – 4 مليارات نسمه أي نصف سكان الأرض في 72 ساعه فقط !!! وستتدمر البيئه كليا وسيحجب ضوء الشمس وستعود الأرض لعصور الظلام وستكون معظم الأراضي مسمومه بالغبار النووي ومن يتمكن من النجاه من هذه الحرب لن يجد مكانا صالحا للحياه في كل بقاع الأرض بسبب الغبار النووي أضافه لعدم قدره أعضاء الجسم البشري من وظائف كلي الي وظائف قلب من الصمود طويلا أمام الغبار النووي وسيتوفي لاحقا من نجا من الضربه النوويه الأولي

 

في اليابان علي سبيل المثال وليس الحصر وبعد ألقاء قنبلتين نوويتين في نهايه الحرب العالميه الثانيه علي هورشيما وناكازاكي مازال الي اليوم بعض القاطنين هناك من الأجيال اللاحقه تعاني من تشوهات أو أمراض ذات صله بما حدث رغم أن القنبلتين السابقتين كانت بدائيتين مقارنه بأنواع الأسلحه النوويه الحاليه !

 

يطالب دائما الفلاسفه منذ فجر التاريخ الي التوازن القيمي وهو أن يتمكن الأنسان من الحياه بسلام مع فكره محوريه قوامها نسبيه الحقيقه والسعي للسلام بين الثقافات والأفكار ومد التواصل وجسور الحوار بين سكان الأرض للأرتقاء بعالم أفضل يصلح للعيش بسلام ويكون الجميع به راضي ومحب للأخر

 

العقلانيه يراها الفلاسفه هي الطريق الوحيد لحفظ التوازن القيمي فعلي الأنسان أن يتخلي عن أن أفكاره هي محور الكون وأن أفكاره هي الصواب والحقيقه وباقي أفكار الأخرين باطله لأن هذا المبدأ هو سبب كثير من الحروب عبر تاريخ الأنسان فالكل يريد أن يحارب الكل والعقلانيه غائبه عن الطريق

 

لابد أن يعي الأنسان أن الموضوعيه في الحكم علي الأمور هي سمه من سمات الأنسان العقلاني المتحضر وأن الخطر الحقيقي علي الأخلال بالتوازن القيمي هو غياب العقلانيه والمنطقيه وسياده أراء الأغلبيه الجاهله التي تتحكم بها أيدلوجيات أو أفكار بعيده كل البعد عن العقلانيه وهؤلاء المؤدلجون هم الخطر الحقيقي علي السلام بين بني الأنسان لذالك لابد أن يعلوا صوت العقلاء مقابل أن لايسمح للأغبياء والجهله أن يكون لهم صوت لأنه صوت مدمر نشاز عن الحياه القويمه

 

الحفاظ علي التوازن البيئي يتم من خلال شقين الأول الأرتقاء بالوعي الجمعي للوصول به الي المحافظه علي الحياه علي كوكب الأرض والثاني سن القوانين الصارمه ضد الجهلاء الذين لم يتطور فكرهم لمواكبه خطر تدهور البيئه فهؤلاء والعقلانيه والتحضر أعداء لذالك لابد أن يواجهون بقوانين صارمه لأن الضرر من عدم وعيهم وتخلف فكرهم سيضر بكوكب الأرض برمته وليس قاصرا علي هذه الفئه فقط حيث أن الأمر لو كان قاصرا عليهم درب السلامه ففنائهم خدمه للبشريه ولكن الضرر سيصيب الجميع الجاهل والعاقل لذالك لابد من حمايه البيئه من الجهلاء

 

 

وذات الأمر ينطبق علي المحافظه علي التوازن القيمي عن طريق عده نقاط منها علي سبيل المثال وليس الحصر :

 

1-        تشجيع الأطفال منذ نعومه أظافرهم علي الأنفتاح الفكري وتعدد الثقافات وعدم التقوقع ضمن أيطار واحد لأن ذالك سيخلق جيل مؤدلج غير قادر علي التواصل مع باقي الحضارات والأمم بسلام

 

2-        نبذ كافه أشكال الكراهيه بين الشعوب والأديان والثقافات وأرساء مبدأ أن الحضارات والثقافات تكمل بعضها البعض وأن ما وصل إليه أنسان اليوم من أي تطور فكري أو تقني لم يكن وليد جهد حضاره واحده بل هي نتيجه جهود حضارات وثقافات متعدده ساهم كل منها بقدر في التطور المعرفي والعلمي

 

3-        محاربه التطرف والمؤدلجون بكل أشكال التطرف والأدلجه ونبذ المتطروفون وتحيد دورهم في أي مجتمع لأن هؤلاء سبب رئيسي من أسباب الأخلال بالتوازن القيمي

 

4-        الأحتكام للمنطق والعقلانيه والموضوعيه في النظر لكافه الأمور في الحياه

 

5-        نسبيه المعرفه والحقيقه

 

عبر تاريخ العلوم والأداب والفنون وتاريخ كافه أشكال الحضاره الأنسانيه تم أثبات نسبيه المعارف الأنسانيه وأن ما كان يعد معرفه قبل 300 ألف عام يعد حاليا لاشيئ وأن ماكان يعد حقيقه دامغه في العلوم الفيزيائيه وغيرها قبل 200 عام أصبحت حاليا لاقيمه لها لثبوت عدم دقتها ونقيس علي ذالك كافه الأمور

 

تواضع الأنسان أمام معارفه سمه من سمات الأنسان العقلاني فهو لايدعي أنه يملك الحقيقه الكامله وأن باقي البشر علي خطأ ولا يزعم أن أفكاره هي السديده وباقي البشر علي خطأ لذالك من سمات العلماء التواضع المعرفي ومن سمات الجهلاء الغرور المعرفي المزيف فالجاهل دائما يتعصب لأرائه أما العالم فهو متواضع جدا أمام معارفه لذالك من سمات العلماء والفلاسفه عدم الثقه المطلقه بالحقيقه ومن سمات الجهلاء الثقه المفرطه في أرائهم

 

التواضع المعرفي يعني أن يسعي الأنسان بكل طاقته للعلم والثقافه دون أن يدعي أنه وصل لشيئ ثابت ويقيني لا جدال به ولا نقاش بل دائما سيضل الباب مفتوح لكافه الأحتمالات التي قد تطرأ في المستقبل والتي قد تهدم حقائق اليوم لتحل محلها حقائق أخري أو جدليات أخري أما الجاهل فيحتكر الحقيقه بل ومهما شاهد من أدله يقينيه علي عدم مصداقيه حقيقته فلن يغير هذا في قناعاته بل سيهاجم الجهلاء العلماء في حقائق تم أثباتها مقابل حقائق لايوجد أي دليل منطقي علي صحتها عدا أرائهم !

 

سلام كوكب الأرض أصبح مطلب العقلاء لحياه أفضل للأجيال القادمه والجيل الحالي وهذا السلام لن يتحقق طالما هناك أخطار تهدد صلاحيه الحياه علي سطح هذا الكوكب وأهم الأخطار الحاليه هي خطر الأخلال بالتوازن البيئي وخطر الأخلال بالتوازن القيمي

 

مواجهه أخطار الأخلال بالتوازن البيئي بدءت الحكومات بالفعل في سن القوانين اللازمه في التصدي لهذا الخطر أضافه لزياده الوعي الجمعي وأصبح من سمات المجتمعات المتحضره الحرص علي البيئه

 

أما خطر الأخلال القيمي والذي لايقل شأنا عن الخطر البيئي لأن كلاهما خطر علي جوده الحياه علي سطح هذا الكوكب فالتصدي له قائم بالفعل من قبل الحكومات قدر أستطاعتها في تشجيع الأنفتاح الثقافي ومحاربه التطرف أيا ماكان مصدره ومحاصره المتطرفون وأن أهم خطوه لابد أن يعيها أي أنسان هي أن أي نقاشات أو أفكار أو قيم أو سلوكيات ...الخ تمارس بعيده عن العقلانيه وقواعد التفكير النقدي السليم هي نقاشات عقيمه لن تؤدي الي الأرتقاء و التطور الفكري والأزدهار الروحي

 

ومهما ظن الأنسان البعيد عن العقلانيه والمنطقيه في حياته أن نقاشاته أو أفكاره أو معارفه عميقه من وجهه نظره لكنها في الواقع المجرد قياسا بما لايعرف ستصبح أعماق سطحيه وأنه لا عمق حقيقي في غياب العقلانيه والمنطق فكل ما لا يقاس بالعقلانيه والموضوعيه هي معارف هامشيه سطحيه لاقيمه لها في أدراك حقائق الأمور المجرده كما هي دون رتوش ودون أدوات تجميل

 

الخميس، 8 أغسطس 2024

ترف الإختيار

 ترف الإختيار


النجم العملاق عادل أمام أختصر مجلدات من الكتب والنقاشات في مشهد واحد فقط !


 الفنان القدير عادل امام ليس مجرد ممثل كوميدي فهذا فهم قاصر جدا لطبيعه ما يقدمه من أفلام حيث تحتوي كثير من أفلامه علي فن الكوميديا السوداء وهو نوع من الفن أعشقه بشده لأنه يجسد أعماق وجدانيه في معاناه الأنسان مع الحياه أو الوجود أو المجتمع وبغض النظر عن طبيعه هذه المعاناه التي تختلف من فرد لأخر طبقا لمستوي الوعي والثقافه والأيدلوجيه التي تشكل تكوينه الفكري فما يكون معاناه للأنسان السطحي عديم أو قليل الثقافه مختلف 180 درجه عن معني ومفهوم المعاناه لأنسان عميق الفكر والوعي


فن الكوميديا السوداء يجعل الأنسان يبكي ضحكا وليس دموعا لأنها تقدم المعاناه بقالب تهكمي وأحيانا يكون ساخرا لكنه مؤثر في النفس الأنسانيه لذالك أهم الدروس المستوحاه من الكوميديا السوداء يكمن في العباره الخالده التاليه :

ليس كل بكاء حزن وليس كل ضحك فرح

 منذ وقت طويل كنت أتوق لرؤيه أحد أفلام عادل امام لكني لم أجد الوقت الخالي من الزمن وهو الوقت الذي يستمتع الأنسان بموجبه بالتفاصيل البسيطه في يومه أو حياته دون أن يتمكن عداد العمر من رصده ! وفي أول فرصه تم أقتناصها أستمتعت بمشاهده فيلم المنسي للنجم عادل إمام وهي المره الثانيه أو الثالثه التي أشاهد هذا الفيلم

 في الغالب أعيد مشاهده أفلام عادل إمام أكثر من مره خصوصا الأفلام التي لها وقع خاص في فكري أو وجداني وليس عادل أمام فقط بل ينسحب ذالك علي كافه ما يترك أثر في داخلي سواء عمل فني أو كتاب أو مكان ....الخ

 

ربما كانت أخر مره شاهدت فيلم المنسي منذ سنوات طويله مضت لا أتذكر وأثناء تصفحي مكتبه أفلام عادل أمام أخترت مشاهدته مجددا وفي كل مره أشاهد بها أي فيلم أعيد تكراره أو كتاب أعيد الأطلاع عليه أكتشف بعدا أخر ربما لم أكتشفه في المشاهده الأولي أو القراءه الأولي ربما لأن الروح أو الأسس الفكريه التي أشاهد بها أي أعاده لأي فيلم أو كتاب مختلفه عن ذاتي قبل 15 أو 20 عام لذالك أكتشف دائما أغوار وأعماق مختلفه في كل مره أعيد الأطلاع علي أي أمر أو مكان أو أشخاص في حياتي

 كثيرا ما نكتشف من خلال الإعاده الثانيه أو الثالثه أو اللقاء بشخص أكثر من مره في فترات مختلفه أمورا لم نكن نعيرها أهتمام في المشاهده الأولي ليس لأن هذه الأمور عديمه الأهتمام لكن لأننا كنا بشغف وروح وفكر مختلف عن ما نحن عليه اليوم

 

وكلما زاد عمق تجاربنا في الحياه كلما نكتشف أعماق لم نكن ندركها في اللقاء الأول بفيلم أو كتاب أو مكان أو شخص أو حتي أنفسنا فأنت اليوم ليس أنت قبل 15 عام فكريا وروحيا رغم أن هناك ثوابت في شخصياتنا لاتتبدل مع مرور الزمن لكن هذا لاينطبق علي الفكر والروح فالفكر الجامد دليل الموت الأكلينيكي لأن الفكر من سماته الحركه وكلما تحرك الفكر كلما تعمق

 والروح كذالك من سماتها الإنكشاف وكلما أشتد اللألم وأشتدت المعاناه والتجارب القاسيه كلما أصبحت الروح أكثر شفافيه وقدره علي أختراق العوالم الخفيه

 زياده منسوب الوعي الفكري والتجربه الحياتيه والثقافيه يجعلنا دائما ندرك كم أضعنا جهدا ووقتا من أعمارنا في تركيزنا علي أمور لاتستحق تاركين كافه الأشياء التي كانت تستحق !

 لفت نظري في أعاده مشاهده فيلم المنسي مقطع مؤثر جدا بين الفنان عادل إمام والفنانه يسرا عندما كانت يسرا في حفل ساهر وفجأه قررت ترك الحفل الساهر بعيدا عن الصخب وضيوف الحفل وأثناء تركها المنزل الذي كان يقام به الأحتفال شاهدت بالصدفه عادل أمام أثناء ممارسته لعمله الروتيني المعتاد كمراقب لسير حركه القطارات العابره

 

دار حوار بين عادل أمام ويسرا طويل لكن أكثر عباره إستوقفتني هي عندما سأل عادل إمام يسرا عن سبب قدومها وقالت أنها كانت في سهره في أحدي الفلل القريبه ولكنها شعرت بالضجر والملل لذالك قررت ترك الحفل ومغادره المكان

 

كان رد عادل أمام يلخص مجلدات في الفلسفه الوجوديه عندما قال ليسرا أنه أمر جميل ورائع عندما يشعر الأنسان بالضجر أن يقرر وبكل سهوله ترك أي أمر كان السبب في هذا الضجر لأن هناك بشر كثيرون لايتوفر لديهم هذا الخيار وهو خيار ترك أي أمر لمجرد أنهم يشعرون بالملل وأكمل عادل أمام قائلا في عباره خالده فلسفيا :

 هناك كثير من الناس وباللهجله المصريه كما جاءت في الفيلم تموت وهي زهقانه !! وهي عباره عظيمه وشديده التعبير والأثر وشدتني بقوه وأرجعتني لأحضان الفلسفه الوجوديه رغم أني لم أنفصل عن أحضانها قط

 عند التدقيق في عباره عادل أمام التي كتبها مؤلف الفيلم قد تبدوا للوهله الأولي للمتبلد فكريا أو روحيا عاديه ولاقيمه لها لكنها كما ذكرت تلخص مجلدات في الفلسفه الوجوديه

 

أهم مشاكل المدرسه الوجوديه وهي فرع من فروع الفلسفه أنها تحاول الأجابه علي أسئله لاتهتم بها في العاده باقي أفرع الفلسفه وعلي رأس هذه الأسئله ماهو الوجود للفرد وليس الوجود المجرد ؟ وماهي مسؤوليات الفرد تجاه وجوده ؟ وأهم سؤال يتجسد في هل يوجد مقياس يستطيع الأنسان من خلاله أن يحدد أحساسه بوجوده ؟ وما بين لحظه الميلاد ولحظه الموت تدور أهتمامات الفلاسفه الوجودين بمختلف توجهاتهم الفكريه وتناقض أرائهم لكن مايجمعهم هو محاوله أثبات هل ما يقطعه الأنسان بين لحظه ميلاده حتي لحظه وفاته تسمي حياه ؟ وأذا كانت تسمي حياه عند بعض الفلاسفه الوجودين مثل سارتر ماهي طبيعه هذه الحياه وكيف يكتشفها الأنسان ؟ أم أن المسافه بين لحظه الميلاد الي لحظه الوفاه ماهي إلا مجرد أستمرار للعدم الذي كان قبل ميلاد الفرد ولكن الأنسان فقط أدركه ! وعبر عن هذا الأتجاه هايدجر وسيوران وشوبنهور بطريقه لاتخلوا من المراوغه أحيانا

 كثيرا لانعرف طبيعه الشيئ إلا بنقيضه فنحن لا نعرف قيمه الصحه إلا عند الأصطدام بالمرض ولا نعرف قيمه بعض الأشخاص في حياتنا إلا برحيلهم عن عالمنا ولا نعرف قيمه الوقت إلا عند أدراك نهايته

 الملل ثلاث أنواع

 النوع الأول /

  ملل عادي يحدث لكافه البشر وهو الملل السطحي والذي ليس مترسب في الأعماق فزواله أمر يسير بمجرد تغير السبب أو العادات التي تسبب الأعتياد والملل والروتين أو السلوك

 النوع الثاني / الملل العميق

 وهو الملل الذي ترسب باالنفس والروح وأصابها بالشيخوخه حتي وأن كان الأنسان في عز الشباب كرقم من أرقام العمر لكن روحه ووجدانه تعادل أنسان عاش ألف عام وليس من اليسير أزاله هذا النوع الملل لكن ليس مستحيل كذالك !

 النوع الثالث من الملل / الملل الفلسفي

 هذا النوع من الملل هو أعمق الأنواع علي الأطلاق ولايصيب الأنسان العادي بل فقط يصيب كبار العقول وكبار المفكرين والفلاسفه وأحيانا بعض كبار الأدباء وبعض كبار الشعراء

 في النوع الثالث من الملل ويسمي في الفلسفه الوجوديه الملال الوجودي وليس الملل للتفرقه بينه وبين الملل العادي الذي يصيب كافه البشر حيث ترتبط ظروف الأنسان الشخصيه والبيئيه والأجتماعيه والصحيه والتعليميه وكافه أنواع الظروف بالنوع الأول والثاني مع الفارق أن النوع الأول تكون للأنسان فرصه سانحه للتخلص من الملل بسهوله لأنه ملل سطحي تافهه هامشي أما النوع الثاني فهو مرتبط بالظروف التي تقلص فرص الأنسان لتغير حياته وعاداته للأفضل حيث تكون الظروف في النوع الثاني ظروفا قهريه في غالبها وليست قابله للتغير بسهوله كالنوع الأول لكن يستطيع قله من البشر الأنتصار في النوع الثاني علي الملل لكنهم قله جدا كما ذكرت

 أما النوع الثالث فليس له أدني صله بأي ظروف محيطه بالأنسان سواء كانت ظروف يسيره أم قهريه فالنوع الثالث من الملل عندما يصطدم به الأنسان المفكر فهو يكتشف فجأه أنه موجود وفي هذه الحاله يعتبر الملل الأداه التي من خلالها تعرف الأنسان علي وجوده وهي وسيله من وسائل أثبات الوجود لأن الأموات لايشعرون بالملل لكن أثبات الوجود في النوع الثالث يعقبه أدراك عميق للعدم والخواء والعبث ! وفي النوع الثالث فقط يصبح الملل والوجود وجهان لعمله واحده من الناحيه الأنطلوجيه

 ترف الأختيار وعلاقته بعباره عادل أمام عندما قال في ناس تموت وهي تشعر بالملل :

 أفعال بسيطه مثل الذهاب للتسوق أو السينما أو المطعم أو التجول علي شاطئ البحر أو قرار أخذ أجازه من العمل أو حتي الأستقاله والبحث عن عمل أخر وقرار الزواج أو قرار الطلاق وتوقيت الذهاب لزياره صديق سواء في الصباح أو المساء ......الخ من أفعال تبدو لكثير من البشر جدا طبيعيه وجدا روتينيه لأنهم يملكون ترف الأختيار

 كلمه أختيار تعني أن هناك مجموعه من البدائل يستطيع الأنسان بسهوله أختيار أحدها والأستغناء عن الأخر ولاقيمه لكلمه أختيار أذا كان المطروح ليس له أي بديل أو خيار أخر أو كان الخياران المطروحان متساويان في الأثر كمن تم تخيره بين عقوبه الأعدام أو السجن مدي الحياه !

 من يكون قادرا علي أختيار الذهاب لمول الأفنيوز أو 360 أو أي مول أخر هو لديه حريه أنتقاء وجهته ومن يختار أن يتزوج هو في الأساس لابد أن يكون وقبل أي أمر أخر حرا في البقاء عازبا ومن يختار أن يكون موظف بأرادته هو في الأساس قادر علي الأستغناء عن راتب الوظيفه ونقيس علي ذالك كافه الأفعال فشرط وجود القدره علي أختيار أي فعل مشروطا علي توافر القدره عن أستبعاده !!

 فمن يختار الذهاب لمطعم محدد هو لديه قدره علي أختيار غيره لكنه وبمحض أرادته أختار هذا المطعم بالتحديد دون غيره لذالك هو يملك ترف الأختيار

 وفي الجهه المقابله شخص لم يكن مطروحا أمامه أي خيارات عدا الذهاب لمول محدد أو مطعم محدد أو دراسه تخصص محدد فنحن هنا لسنا أمام حاله أختيار بل أمر واقع يجبر الأنسان علي قبوله

 الشخص المقعد والمصاب بعدم القدره علي المشي نهائيا لايستطيع أن يقول أنه أختار الجلوس علي كرسي متحرك بأرادته لأنه ليس لديه القدره من الأساس علي المشي والحركه من دونه وكافه الأحداث الأخري والتي ليس للأنسان أدني خيار عدا قبولها لاتسمي خيارا متاحا بل أمرا واقع فعندما ترغم الفتاه علي الزواج من شخص محدد مع عدم قدرتها علي رفضه ولا حتي قدرتها علي البقاء عازبه دون زواج بل لابد أن تتزوج من هذا الشخص شائت أم أبت فهنا هي مجبره وذات الأمر ينسحب علي كافه أمور الحياه التي تفرض الظروف بها خيارا واحدا علي الأنسان لا ثاني له

 فكم من شخص لايطيق وظيفته لكنه لايملك ترف الأختيار وهو مجبر علي البقاء بها لأنه بحاجه فقط للراتب الشهري حتي لو كان غير منتج في وظيفته ومجرد رقم من تعداد الموظفين ويشعر بالضجر والدمار النفسي جراء ضياع 8 ساعات يوميا من عمره كان من الممكن أن يكون مبدعا أو منتجا في أي أمر أخر لو كان يملك ترف الأختيار لذالك تجبره الحاجه للمال علي البقاء في الوظيفه الغير ملائمه لطبيعه تكوينه الفكري بل حتي إن سببت أو فاقمت هذه الوظيفه أمراضا عضويه مثل الظغط والسكري وأمراض القلب ....الخ  أو الزواج أو أي أمر واقع أخر لايكون متاحا للأنسان أي فرصه لأختيار عكسه أو مجرد الأستغناء عنه حتي لو لم يكن هناك خيار أخر لكن القدره علي التخلي والأستغناء عن أي أمر غير مرغوب به يعد بحد ذاته خيارا متاحا

 بالفعل هناك بشر محرمون من ترف الأختيار حتي في أبسط أمور تخص حياتهم الشخصيه ويضلون طوال حياتهم في حاله ملل وأنعدام شغف وذبول مع عدم قدره نهائيا علي أنتشال أنفسهم من هذا الفخ وهؤلاء قد تتاح أحيانا لهم بدائل وخيارات أخري لكن البعض منهم يعانون إنعدام القدره علي أتخاذ قرار أختيار احد هذه البدائل فأحيانا الموظف الذي يعاني في وظيفته لديه الفرصه لأختيار أخري لكنه غير قادر لأن ذالك يحتاج وقت ويحتاج أنقطاع راتب لحين نزول راتب الوظيفه الأخري وهو رب أسره ولديه مصروفات وفي نهايه الأمر يفضل البقاء في منطقه الأمان رغم وجود بدائل

 نحن هنا أمام المستوي الأول لتعريف ترف الأختيار ومن هم المحرومون منه ومن هم الذين يتمتعون به وخلاصه المستوي الأول من التعريف هو أن ترف الأختيار يعبر عن قدره الأنسان علي تشكيل تفاصيل حياته وفقا للعديد من الأختيارات والبدائل وعليه فقط أن يقرر أي من هذه الأختيارات هي الأنسب لطبيعه تفكيره وحياته ووجدانه


 أما نقيض هذه الحاله هو الأنسان الذي ليس لديه أختيارات في حياته وبدائل حتي يختار من بينها ماهو مناسب له من عدمه فهو يحيا مجبور طوال حياته علي ماهو عليه



 أما المستوي الثاني من تعريف ترف الأختيار وهو المستوي الأعمق فلسفيا حيث أذا كان المستوي الأول يعرف ترف الأختيار بأنه القدره علي أختيار الأنسان من عده خيارات متاحه فنحن في المستوي الثاني نواجه العكس تماما حيث يعاني الأنسان من توافر الخيارات لكنها هي والعدم سواء وهذه هي معظله بعض كبار الفلاسفه والأدباء الوجوديون أمثال إيميل سيوران وكيركيجارد وهايدجر بطريقه غير مباشره والأديب العالمي فرانس كافكا وغيرهم الدائرون في فلكهم الفكري خصوصا العدميون منهم حيث كان لهم وجهه نظر فلسفيه متمثله بأنه طالما لم يكن للأنسان أدني خيار في تقرير ميلاده للعالم فجميع الخيارات التي ستتاح له التاليه لميلاده وحتي لحظه وفاته هي تحصيل حاصل ولاقيمه جوهريه لها في تشكيل معني الحريه الحقيقي فالأنسان كما يعبر عنه الفلاسفه الوجودين قذف به بهذا العالم دون أستشارته فلا قيمه نهائيا لكل ماهو تالي بعكس بعض الفلاسفه الوجودين في الجهه الأخري مثل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي لم يكترث كثيرا الي لحظه الميلاد بل كان جل إهتمامه في تشكيل معني الحياه وأكتشاف قيمه الأنسان عن طريق قدرته المتواصله علي الأختيار من ضمن عده خيارات ستتاح له علي الدوام بعكس فلاسفه عدميون ووجوديون لم تكن لديهم ذات النظره السارتريه لترف الأختيار طالما سلبت من الأنسان القدره علي أهم القرارات المصيريه في حياته وعلي رأسها لحظه ميلاده فكل ماهو تالي هي محاولات الأنسان لتقديم واجب العزاء لذاته عبر أصطناع كثير من المفاهيم والمعاني والأوهام للتقليل من صدمه الميلاد وظهر ذالك جليا في كثير من كتابات سيوران أو كافكا أو شوبنهور وغيرهم كثير سواء فلاسفه الوجود او أدباء ذو نزعه عدميه وجوديه أو شعراء لديهم بعدا أنطلوجيا عدميا مثل الشاعر أبي العلاء المعري وغيرهم بل لا يقتصر هذا البعد العبثي للمعاني علي هؤلاء بل أيضا كثير من الفلاسفه الغير محسوبين نهائيا علي المدرسه الوجوديه والعدميه أيضا لديهم وجهه نظر مقاربه لكن تم التدليل عليها بأساليب أصطلاحيه واقعيه وليست أدبيه أو روائيه أو شاعريه ومن هؤلاء الفيلسوف ديفيد هيوم خصوصه بما عرف بأسم شوكه هيوم وهي طريقه لأختبار المعاني من الالعبارات الخاليه من المعني وكذالك الفيلسوف بيرتندراسل وبعض فلاسفه الوضعيه المنطقيه التي تشير أن كثير من المعاني التي يستخدمها البشر في لغتهم اليوميه لا معني لها ولاتعدوا أكثر من أوهام يحاول الأنسان من خلالها الطبطبه علي أوجاع الروح وهؤلاء الفلاسفه كان لهم وجهه نظر بأن مواجهه متاعب الروح والحياه تأتي من خلال أستبعاد كافه العبارات والكلمات التي لا معني لها من الناحيه التجريبيه أما فلاسفه الوجود والعدم فكانت طريقتهم لعلاج أو جاع الروح تتمثل في قبول الصلح بين لحظه الميلاد والعبث وهذا هو السبيل لتحقيق السلام الروحي لبعض فلاسفه الوجود والعدم حيث يتيح قبول الصلح بين الميلاد والعبث الي عدم أجهاد الروح والفكر في البحث عن معاني لامعني لها وهي النتيجه التي وصل إليها بعض الفلاسفه الغير محسوبين علي المدرسه الوجوديه لكن الطريقه المستخدمه كانت مختلفه بين الفريقين حيث قرر الفيلسوف العدمي التعبير عن الخواء القيمي والمعرفي والعبثي عن طريق الكتابه والشعر والموسيقي والفنون بشتي أنواعها أما الفريق الأخر من الفلاسفه المشار لهم أعلاه فقرروا أستبعاد النقاش نهائيا في أمور لايمكن البرهنه عليها وعوضا عن ذالك يجب الألتفات فقط والتركيز علي ماهو قابل للبرهان لأن العبث الحقيقي من وجهه نظر الفلاسفه التجريبيون يكمن في ضياع الوقت والنقاش في مسائل بيزنطيه

 في الواقع قد يبدو للقارئ المهتم في الفلسفه مقارنه المدرسه الوجوديه مع الوضعيه المنطقيه أو ديفيد هيوم هو أستحاله منطقيه حيث لارابط يجمع المدرستين من حيث الأهتمامات الفكريه وهذا الي حد ما صحيح لكن صحته من وجهه نظري نسبيه لأن الهدف الأساسي من النقاش هو بيان أسباب مشاكل الأنسان سواء الروحيه أو الفكريه فبعض فلاسفه العدم والوجود تصالحوا مع عبثيه المعاني ولكنه تصالح خلاق أبداعي أما الفريق الأخر من التجريبيون فقرروا من البدايه أستبعاد النقاش في أي أمور ميتافيزيقيه غير قابله للبرهان التجريبي وفي هذا الأستبعاد لم يتم التطرق الي صحه أو عدم صحه أي نقاش بل لعدم معناه فقط !

 ترف الأختيار عند الأنسان العادي يعد متعه وأمتياز لأنه يحقق له سعاده وقدره علي التنوع والهروب من الملل بعكس من لم تتاح إليه هذه القدره سيصاب بالملل من ظروف حياته المفروضه عليه ولايوجد خيار أخر لديه عدا قبول هذا الملل حتي يتوفي وهو في قمه ملله وليس في قمه مرضه أو نشاطه ! هذا ماعبر عنه مشهد عادل أمام في فيلم المنسي

 

لكن ترف الأختيار عند الفلاسفه الوجودين والعدميون ليس مفاده أنعدام الخيارات أو القدره علي الخيارات بل ترف الأختيار يتمثل في أن الفيلسوف العدمي أكتشف منذ لحظه ميلاده أنه يحيا موته كما عبر عن ذالك الفيلسوف الألماني هايدجر وغيره من فلاسفه فالأنسان منذ ميلاده لم يعد يغريه خيارات هنا أو هناك تعد تافهه وهامشيه مقارنه بخيار ميلاده الذي يستحيل منطقيا أن يستشار به لذالك تم تحويل هذه الأستحاله المنطقيه الي أمكانيه التعايش مع العدم لكنه العدم الجميل الذي يعد من أهم أسباب الترف والرغد به أن الأنسان لديه مجموعه واسعه جدا من الخيارات لكنه لا يكترث لها لأنها تحصيل حاصل لذالك لم يشغل باله بها نهائيا وفي هذا قمه ترف الأختيار

أن تكون حزينا سعيدا هو جوهر ترف الأختيار عند الفيلسوف الوجودي !! أما أن تكون سعيدا بأنك أخترت 1 وليس 2 أو أستبعدت 5 و 6 و7 من الخيارات فهذا ما يمارسه الأنسان العادي حيث تكون سعادته مشروطه بتوافر الخيارات والبدائل أما الفيلسوف الوجودي خصوصا العدمي فسعادته ليست معلقه في قدرته علي الأختيار ضمن عده خيارات بل سعادته الحقيقه في تجاهل كم كبير من الخيارات المتاحه لأنها في النهايه تحصيل حاصل !!!

الصور المستخدمه رمزيه تعبيريه فقط


مستشار علاقات عاطفيه وزوجيه وأجتماعيه أنسانيه /طريق الثراء السريع

  طريق الثراء السريع أعلان هام للعاطلين عن العمل وظيفه أستاذ مستشار عالمي في مجال العلاقات الزوجيه والعاطفيه والأنسانيه والأجتماعيه شاغر...