حوار مع لا أحد ؟
نسمع جميعا عن مفهوم الحوار مع الصديق / الحبيب / الذات
لكن هل سمع أحدنا عن مفهوم الحوار مع لا أحد ؟!
الحوار مع لا أحد هو حوار مع الفراغ وفي هذا النوع من
أنواع الحوارات الغير هادف كليا للتواصل مع الذات أو الذوات الأخري بل هو حوار
الهدف الأساسي منه هو عدم التواصل !
لقد كان دوما الحوار وسيله من وسائل التواصل الأنساني مع
الأخرين أو مع أنفسنا ولكن الحوار مع الفراغ أو مع لا أحد هو وسيله من وسائل أخراج
أنين الشعور المكبوت في أعماقنا منذ أزمنه طويله ربما فاقت زمن ميلادنا !
أحيانا يجلس الأنسان بمفرده ويشعر بأختناق وجدانه بالعديد
من أنواع الشعور ولم يجد الشخص المناسب الذي يكون مؤهلا وجدانيا للأستماع إليه وأمام
هذا المشهد المعبر عن حاله تواقه لأخراج ما في ذواتنا المثقله بتراكمات مبعثره من
مشاعر وأحاسيس أصبحت جاثمه علي صدورنا ككتله من الصخور التي تعيق أكتشاف المساحات
الجميله في أنفسنا ولذالك أنبثق لقاموس المعاني مفهوم الحاجه للحوار مع لا أحد أو
ما يسمي الحوار مع الفراغ .
عندما لا يجد الأنسان شخصا قريبا من وجدانه جديرا بالثقه
أن يتحدث معه بكل ماهو قابع وجاثم في أعماق الذات يصاب المرء حينها بحاله أحباط
شديده فهو رغم أنه محاط بعائله جميله وأصدقاء ومعارف لكنه لم يجد فردا واحدا من
بينهم يشعر معه أنه قادر علي البوح والحديث دون أدني خجل أو أحساس بالذنب ينتاب
المرء أحيانا بعدما ينتهي حديثه مع شخص ويتضح أنه الشخص الخطأ !
يحتاج الأنسان أحيانا في خلال مشوار حياته أن يجد شخصا
واحدا من سكان كوكب الأرض تتوفر به ميزه واحده فقط وهي أن يكون مستمع جيد بذاكره
مصابه بدرجه من درجات فقدان الذاكره !
قد نجد شخصا يصلح أن يكون مستمع جيدا لما نبوح له من
أعماقنا من هموم وشجون لكنه لا يستمع لنا لأنه يحبنا أو يريد مساعدتنا أو أي نيه
من النوايا الصادقه الجميله الحسنه النيه ! هو يستمع لنا بأنصات بنيه مبيته مع سبق
الأصرار والترصد أن يأتي يوما ما ويستغل ما كنا نبوح به بحسن نيه لشخص غير حسن
النيه ؟!
من أصعب أنواع الأحاسيس هو الأحساس بعدم وجود شخص واحد
فقط نستطيع اللجوء إليه في لحظات الحاجه الي الفضفضه البريئه لما يثقل كاهل أعماقنا
والأصعب من هذا الأحساس هو أن يحاط الأنسان بكم هائل من الأصدقاء أو أفراد العائله
أو الزوجه أو الزوج ....الخ ورغم ذالك لايشعر نهائيا أن من بينهم شخصا واحدا صالحا
أن يتحدث معه بكل شفافيه وأريحيه دون حواجز أو قيود خصوصا من لم يعتاد أن يكون
صديقا لذاته فالمسأله ستكون أشد وطأه علي وجدانه عن من أعتاد منذ طفولته أن يكون
صديقا لذاته بل حتي من أعتاد الصداقه مع الذات أحيانا يحتاج هو وذاته لحوار من نوع
خاص جدا وهو الحوار مع الفراغ ! .
ماذا يمكن أن يفعل الأنسان في هذه الحاله الوجدانيه وهي
حاله الحاجه لأزاله أثقال جاثمه في أعماق الذات مما لم يعد لنا طاقه بحملها وأصبحت
تعيق مسارات أكتشاف المشاعر الجميله لأرواحنا ؟
الحل هو الحوار مع
الفراغ أو ما يسمي الحوار مع لا أحد ؟!
يخطئ من يظن أن الفراغ غير موجود ؟! لقد ناقش فلاسفه كثر
من فلاسفه الوجود والعدم أمثال الفيلسوف الألماني العملاق مارتن هيدجر وغيره مسأله
الفراغ هل هو حاله من حالات العدم أم أنه حاله من حالات الوجود لكنه وجود غير مرئي
! هو وجود مسحوس وليس مشهود ؟!
كل ما في الطبيعه في هذا الكون يستمع لنا بأنصات ولديه
الطاقه والقدره علي تحمل كل ما نشعر به بل ويساعدنا علي التخلص من مشاعرنا السلبيه
وأحزاننا عن طريق بث طاقه جميله ربما لا يستطيع أي كائن أخر موجود أمام بصرنا أن
يوصلها لنا !!!!
أتذكر جيدا في شهر مايو 2019 عندما كنت في زياره لجزيره
قبرص أو ما تسمي مجازا جزيره أفروديت! وكنت أقطن قريه صغيره في أحد مناطق جبل
ترودوس في منتصف الجزيره وكانت القريه شبه خاليه كليا من الماره في عز النهار ! ( قمت بتصوير بعض مقاطع الفيديو عن القريه في قناتي في اليوتيوب وهي من أوائل الفيديوهات في قناتي )
كنت أتجول وحدي في أحضان الطبيعه وعندما يحل المساء ويشتد
الظلام الدامس كنت أجلس طوال الليل تقريبا في شرفه غرفتي في الفندق المطل علي
الغابه والجبال لاصوت سوي أصوات الشجر والغربان وتسلل ضوء القمر علي أستحياء من
بين الغيوم الي شرفه غرفتي .
كنت مثقل كثيرا بمخلفات شعور لم أستطع قط البوح بها لأحد
ولا حتي ذاتي ! وأنتهزت فرصه وجودي في الوادي وشعوري بأن الفراغ يناديني قائلا
تحدث فأنا أستمع إليك جيدا فأنا الشجر وأنا الطير وأنا الصخور وأنا الهواء العليل
وأنا الليل الهادئ وأنا الغيوم العابره وأنا ضوء القمر المتسلل وأنا كل ما يحيط بك
فقط تكلم وسأستمع إليك بأنصات ؟!
أتذكر جيدا أنني بدءت الحديث الساعه الواحده بعد منتصف
الليل بصوت مسموع وأنا جالس بشرفتي
في غرفتي وأمامي الغابه والجبل والسكون ولم أشعر بالوقت
إلا عندما رن هاتفي الساعه الرابعه والثلث فجرا وكانت مكالمه لي من الكويت .
جلست من الواحده بعد منتصف الليل وحتي الرابعه والثلث
فجرا بما يقارب ثلاث ساعات وثلث أتحدث بصوت مسموع مع لا أحد مع الفراغ الذي شعرت
بوجوده في أعماقي ولم أكن أشاهده .
أنهيت المحادثه الهاتفيه سريعا وعدت الي مقعدي في شرفه
الغرفه ولكني لم أتحدث قط فما تحدثت به مع الفراغ لمده 3 ساعات وثلث متواصله كان
كافيا لأزاحه مخلفات سنوات طويله من بقايا شعور وصدأ وجدان كان جاثما علي أنفاسي
حد الأختناق .
عند صمتي عن الحديث بدءت أستمع لصوت السكون والفراغ يرد
قائلا :
كن علي ثقه أن كل ما تحدثت به سيكون سرا بيننا فأنا
الفراغ الغير مرئي لكنه محسوس مصدر ثقه لكل من لم يجد من يكون جديرا بالثقه وقد
نعست علي مقعدي في شرفه الغرفه ولم أستيقظ إلا عندما أنعكس ضوء الشمس بقوه علي
وجهي وكانت الساعه تشير الي السابعه صباحا فتحت عيناي علي مشهد أنعكاس ضوء الشمس
البرتغاليه علي الغابه والجبال المحيطه وصوت تغريدات طيور الصباح بشعور جديد كليا
مليئ برغبه تواقه للطيران والتحليق الي لا –مكان بعدما كان الوجدان مثقلا بمخلفات مشاعر متراكمه
أعاقت أجنحتي عن التحليق
أيقنت منذ زمن أن الحوار مع لا أحد هو في واقع الأمر
حوار مع الجميع ! مع الطيور والصخور والجبال والبحيرات والزهور والغيوم العابره
التي مهمتها ألتقاط ذبذبات طاقتك السلبيه والمضي بها بعيدا لتحذفها أمطارا في
البحار والمحيطات !
يخطئ من يعتقد أنه
وحيدا عندما يريد الحوار ولم يجد أحد ثقه لهذا الحوار عليه فقط البعد قليلا في
رحله بحث عن فراغ هنا أو هناك في وادي أو جبل أو قريه أو شاطئ بحر أو في أي ركن
فارغ في منزله ! الشرط الوحيد للحوار مع الفراغ أن يجد الأنسان فراغا مناسبا
للأنفراد به لا أكثر ولا أقل !!!
لايوجد فراغ في هذا
الكون فكل ماهو به مسخر للأستماع إلينا بأنصات وهدوء دون مقاطعه دون محاوله
للتشويش دون أدني أعتراض ! فقط نحتاج أن نثق بوجود الفراغ ونشعر به ونثق ثقه عمياء
بأن أخطر أنواع الفراغ هو ما نشاهده بأعيننا يوميا ولكن لا نشعر به وهذا هو الفراغ
الحق ! وكل ما نشعر به رغم عدم رؤيتنا له هو الوجود الحق !
