الجدل العقيم وكبرياء غرور الطاوس
وقعت عيني بالصدفه علي مقوله فلسفيه للأمام علي بن أبي
طالب يقول بها :
لو خاطبني ألف عالم لغلبتهم ولو
خاطبني جاهل واحد لغلبني ، فقال الحضور بدهشة :
كيف ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال:
العلماء لو أتيت لهم بالحجة والبرهان أقتنعوا ، أما الجاهل كلما أتيت له بحجة
غالطني لجهله
أسوأ موقف يضع الأنسان به ذاته هو الدخول في نقاش عقيم وقد حذر كثير من
الفلاسفه منذ الأغريق القدماء وحتي يومنا هذا وغيرهم من كبار المفكرين والمثقفين
من مغبه الحوار مع الجهلاء والسفهاء ومحدودي التفكير لأن النقاش معهم ينتقص من
وقار الأنسان وكرامته ويهدر طاقته مع من لا عقل له .
منذ طفولتي وأنا أعشق الحوار المفتوح مع كافه أنواع العقول والثقافات ولم
أكن أعلم مخاطر ذالك وكنت أتصرف علي عفويتي في أي نقاش من وجهه نظري جدا بسيط وجدا
عادي وجدا طبيعي !!
لم أكن أعلم سر غضب بعض الأطفال الذين هم في مثل عمري من حوار دار هنا أو
هناك وكنت أسأل والدي ووالدتي لماذا هناك أطفال يغضبون سريعا من النقاش ويحاولون
بكل الطرق أيقاف حديثي فورا ولو بأستخدام القوه ! وأخرون هادئون جدا ويسعون أن
يطول الحوار لأطول وقت ممكن ولهم قدره علي جعل الحوار متعه بحد ذاته ؟
أتذكر قال والدي لي أن هناك سببين لوجود شخص هادئ بالحوار ومتقبل للأختلاف
وأخر سريع الغضب وغير متقبل لأدني أختلاف والسبب الأول هو البيئه التي نشأ بها
ويقصد المنزل وطريقه تعامل والده مع والدته وأخوته وهل بيئه المنزل تشجع علي
الحوار والأطلاع أم بيئه أشبه بمعسكر عسكري لايسمع به الطفل عدا أوامر الأب للأم
والأبناء دون أدني أعتراض ومن يفكر مجرد تفكير بالأعتراض علي فرمان الأوامر يجابه
بأباده معنويه قاسيه تصل الي الضرب المبرح لمجرد رغبه الأبن أو الأبنه أو الزوجه
بمعرفه لماذا هذا الأمر أو أسبابه أو مجرد نقاشه !
بديهي عندما يعتاد الطفل في المنزل علي رؤيه هكذا أفعال ينتج أحيانا أن
ينشأ ويتطبع الأطفال بأطباع الأب وعندما يخرج للمجتمع نراه لايتقبل مطلقا فكره
الحوار مع الأخر المختلف وفورا يشتشاط غضبا في أول حوار أذا كان حديث الأخر معه
مختلف عن أفكاره ومعتقداته ورؤيته للحياه لأنه نشأ في بيئه منغلقه جدا لا مكان
لمتعه الحوار والنقاش بها بين أفرادها .
أما السبب الثاني لوجود أنسان سريع الغضب من أي حوار مع شخص مختلف فهو
الجينات !! نعم أيها القراء الكرام فلا تستغربوا !! حيث أحيانا نجد طفل نشأ في
بيئه تشجع علي الحوار وتبادل متعه النقاش مع الأخرين لكن هذا الطفل لم تؤثر به
التربيه علي محبه الحوار وخرج عن النص !
وربما جميع من في المنزل وبيئته القريبه محبون للحوار عدا هذا الطفل تحديدا
من دون باقي أشقائه أو من نشأ معه في ذات البيئه !
ولم أجد تفسيرا مقنعا فلسفيا لي علي الأقل عدا أكتشافي أن هناك بعض أنواع
البشر غير قابل للتطور الفكري والأدراكي والثقافي وغير قابله للتعايش السلمي مع
الأخرين !!
ولم أقل هذا الحديث أعتباطا فكنت أعرف أنسان نشأ في بيئه محبه للحوار
والقراءه والأطلاع علي كافه الثقافات لكن هذا الشخص مختلف 180 درجه عن كافه أفراد
منزله لكنه ليس أختلاف محمود أو أيجابي بل سلبي حيث أنه جدا متعصب لأفكاره ويميل
الي العدوانيه تجاه أي أنسان يخالف حديثه ! بل يصل في بعض الأحيان به الأمر الي
الشجار علي موقف تافهه لايستحق أدني أنفعال لكنه غير معتاد كليا علي الحوار وهو
فقط يصدر الأوامر وعلي الجميع طاعته أو علي أقل تقدير ألتزام الصمت وعدم النقاش بشأنها
!!!
بعدما دخلت مرحله الشباب ثم النضوج ويوما بعد يوم أدركت بعد سلسله طويله من
التجارب الحواريه مع شتي الثقافات شرقا أو غربا أن هناك عقول غير قابله للتفكير
!!!!!
هي عقول لا تعقل وليس بداخلها عدا ذاكره للأحداث وليس عقل للتفكير !!! وأي
محاوله للدخول بأي نقاش مهما كانت طبيعه هذا النقاش فسيؤدي حتما للشجار وتعرضك
للأهانات المعنويه !!
علمتني الحياه الترفع عن محاوره من تظهر عليهم أعراض مرض أطلقت عليه مسمي (
أنيميا التفكير ) وعلي غرار أنيما فقر الدم الذي يصيب الأنسان بشتي أنواع فقر الدم
هناك أيضا أنيميا فقر التفكير وفقر الدم خصوصا الحاد منه يؤدي لمشاكل جمه للجسد ويحتاج
لنقل دم في بعض الأحيان للسيطره علي الوضع أما أنيميا التفكير فعواقبها من وجهه
نظري الشخصيه أخطر من عواقف فقر الدم حيث أن فقر الدم لن يؤثر إلا علي الشخص الذي
يعاني منه أما فقر التفكير سيؤثر علي المجتمع بأكمله فالشخص الذي لديه أنيميا
التفكير ستتأثر زوجته وأولاده وأصحابه وزملائه في العمل ......الخ من سلسله طويله
من المحيطين به
وحيث يستحيل القضاء نهائيا علي مرض أنيميا التفكير فلابد من التعايش مع
هؤلاء المرضي وتقبل فكره وجودهم في كافه المجتمعات لأنهم متواجدون في كل مكان في
العالم لكن الأختلاف فقط بنسبه تواجدهم فهناك مجتمعات نسبه تواجد هذا المرض 10 أو
20 % من عدد السكان ومجتمع أخر تفوق النسبه ذالك ؟!
لذالك لابد من التسليم بوجود السفهاء فكريا والتعامل معهم علي طريقه
العلماء والفلاسفه والمفكرين وبالرجوع لمقوله الأمام علي بن أبي طالب التي أفتتحت
بها المقاله أعلاه فهي تلخص خطوره الحوار مع السفهاء والجهلاء وركز الأمام علي علي
أنه يستطيع الأنتصار حواريا علي ألف عالم لكنه لايستطيع هزيمه جاهل واحد فقط !!
وأيضا الأمام الشافعي قال ذات المعني والفيلسوف أفلاطون والفيلسوف الفرنسي
فولتير وغيرهم كثير
محاوره العالم بالنسبه للأمام علي تعبر عن مفهوم الحوار البناء والمثمر وهو
نوع من الحوار أساسه الوصول للحقيقه وليس التعصب لرأي مسبقا والأعتقاد أنه هو فقط
الحقيقه الثابته الوحيده !! لذالك قال الأمام علي أن العالم والمثقف عندما يدخل
حوار فهو هادئ وراغب بالنقاش البناء دون أنحياز لأي طرف من الأطراف هو باحث عن الحقيقه
لذالك أذا قدم له الطرف الأخر بالحوار حجه منطقيه لها ثقل فكري فالعالم يعترف فورا
بها ويلغي ماكان يعتقد أنه حقيقه علميه ثابته أو غيرها أما الجاهل السفيه لو قدم
له ألف دليل وألف حجه ومليار أشاره أن فكرته خاطئه فلن يتقبل نهائيا بل سيقوم
بالتطاول عليك والتجريح بك والتقليل من كرامه من يحاوره وإن أظطر الأمر الي ضربه لامانع
!!!!!!!!!!!!!!!
لذالك يختلف غرور المثقف عن غرور السفهاء حيث أن المثقف شخص غير مغرور
بطبعه بل محب للنقاش مع كافه الثقافات شريطه أن من يحاوره شخص غير مصاب بمرض
أنيميا التفكير حيث بمجرد أكتشاف المثقف أن الشخص الذي أمامه لديه هذا المرض يترفع
عن الدخول في أي حوار معه ويتركه وشأنه فالمثقف والعالم والمفكرين والأدباء يترفعون عن النزول في مستواهم الفكري لنقاش من لا عقل له لأن الدخول في أي نقاش مع السفهاء
سيتعرض المثقف والعالم للأهانه والأحتقار وهدر الطاقه والوقت لذالك حذر الأمام علي
والأمام الشافعي من مغبه الدخول في أي حوارات مع السفهاء بل حتي أن خاطبك الجاهل
فلا ترد عليه مطلقا
حيث قال الأمام
الشافعي في أشعاره :
إذا نطق السفيه فلا تجبه *** فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه *** و إن خليته كمدا يموت
فإن كلمته فرجت عنه *** و إن خليته كمدا يموت
لذالك لا بد للأنسان المثقف والواعي والساعي للسلام الداخلي أن يتجنب
النزول في مستواه الفكري والدخول في حوار مع طاوله أو كرسي أو قطعه حجر ؟! فقط عزيزي
القارئ الكريم تذكر أنك أذا أستطعت أن تقنع طاوله تناول الشاي في غرفتك أن تبادلك
الرأي والنقاش في موضوع ما أنك تستيطيع حينها الدخول في نقاش السفهاء ! وحيث أن
الطاوله لن تستطيع فتح حوار معك بناء ومثمر عن أي موضوع من الموضوعات لأنها ببساطه
مقتنعه أنها طاوله فقط وليس لها عقل ليعقل فليس من خائصها التكوينيه صفه العقل
والحوار هي جماد وستضل جماد للأبد وعند محاولتك فتح نقاش أو الرد علي نقاش مع سفيه
من السفهاء تذكر أنك ستدخل في نقاش مع طاوله !! بل ربما النقاش مع الطاوله أكثر
لطفا من النقاش مع السفهاء حيث أنه علي أقل تقدير الطاوله ستضل صامته أثناء حوارك
معها أما السفيه فسينهال عليك لعنات وسباب وألفاظ بذيئه لمجرد الرغبه في الحوار
معه وليس الشجار !! لكن للأسف الحوار هنا عقيم نهائيا وليس حوار مثمر سينجب أفكارا
جميله لأطرافه فصن ذاتك أيها الساعي للمحبه والسلام وترفع عن الألتفات للسفهاء
أينما وجدوا في هذا الكوكب وتذكر دائما أن من يمثل المجتمعات في حقيقتها هم محبي
الفكر والسلام والحوار مع الجميع أما أصوات النشاز مهما كثر عددهم فهم لاشيئ مجرد
سفهاء وجودهم ضروري حتي يثمن الأنسان نعمه التفكير والرقي وأدب الحوار مثل وجود الأمراض في العالم حتي يثمن الأنسان قيمه الصحه لذالك عزيزي
القارئ الكريم لاتتأثر برأي السفهاء في أي مجتمع فهم يعبرون عن أنفسهم وبيئتهم
وليس عن حقيقه المجتمع الأنساني المحب للسلام والمحب لكافه الثقافات لذالك كن
مغرورا وترفع عن مرافقه أو الجلوس أو الأستماع للسفهاء فهذا هو الغرور الوحيد
الأيجابي المحمود لك والذي دعا إليه الفلاسفه والحكماء !
