تحذير من التفكير !!
لدي بعض الثقافات المجتمعيه فوبيا تسمي فوبيا التفكير
فهناك ربط غير منطقي في أعتقادهم بين كثره التفكير والهموم لذالك درج من ضمن
الموروث الثقافي لبعض المجتمعات بتحذير الشخص من كثره التفكير حتي لايقع بالهم
والغم وفي سبيل ذالك يتم حث الشخص دائما علي عدم الجلوس بمفرده وقت طويل لأن
الجلوس في عزله مع الذات سيؤدي الي التعمق في التفكير ثم بالتبعيه للغم والهم
والكدر وربما الأكتئاب وربما المشي أثناء النوم والنوم أثناء المشي !؟
كثيرا منذ أن كنت طفلا أشاهد في المدرسه أو في الحياه
العامه أذا ما كان طفل أو شخص بالغ مستمتع بالتأمل والجلوس بمفرده يأتي شخص أخر
متطفل يقطع عليه حبل مودته مع وحدته وذاته ويقول له لماذا تجلس منفردا ؟ هل أنت
مريض جسديا ؟ هل تحتاج الذهاب للمستشفي ؟ هل لديك مشكله في المنزل أو المدرسه أو
مع شخص ما ؟
أذا كانت الأجابه ( لا ) لست مريض والحمد لله وليس عندي
أي مشكله من أي نوع وكل ما في الأمر أني أحب الجلوس بمفردي والتفكير فتكون الأجابه
الغريبه المعلبه دائما وهي ( لا تفعل ذالك ) لأن الجلوس بمفردك يجلب التفكير بأمور
ليست جيده ! وعليك دائما الأرتماء وسط القطعان البشريه وتنشغل علي الدوام مع
الأخرين ولا تفسح المجال نهائيا ولو دقيقه واحده للجلوس منفردا لأن ذالك يؤدي للهم
أو الجنون أو وساوس !!!
لماذا في الموروث الثقافي لبعض المجتمعات ربط أوتوماتيكي
بين التفكير وبين الهموم ؟ وهل هذا صحيح ؟ لماذا يحذر أفراد بعض الثقافات من
الوحده وربطها بالهم والأكتئاب وحث الفرد حتي يكون في صحه فكريه وجسديه جيده علي
الأبتعاد كليا عن التفكير والوحده والأرتماء في وسط الزحام والتكتلات البشريه والكف
كليا عن التفكير !!
للأجابه علي تلك التساؤلات لابد أن من إيضاح
النقاط التاليه لأنها المدخل لفهم أين الخلل وأين العلاج ؟
1-
لم يكن يوما التفكير العميق
سببا في الهم والأكتئاب أذا كانت طبيعه التفكير فلسفيه تحليليه الغايه منها فهم
مايدور حولنا والحكمه من ذالك وهذا النوع من التفكير ممتع وشيق ويؤدي دوما الي
الأرتقاء بصاحبه الي درجات عليا من السلام الروحي والفكري لأنه يصل في تفكيره الي
أبعاد لايصل لها الأخرين وهذا النوع من التفكير يختلف عن التفكير العادي السطحي
الذي ربما بالفعل يقود الي الأكتئاب والهم وعلي سبيل المثال وليس الحصر :
شخص جالس بمفرده يتأمل مفهوم أجتماعي دارج محاولا الغوص
في فهم لماذا أفراد المجتمع يفكرون بهذه الطريقه وليست بطريقه أخري ولنأخذ مفهوم مثل
الزواج أو الأنجاب فصاحب التفكير الفلسفي عندما يتناول موضوع مثل الزواج أو
الأنجاب أو أي مفهوم أخر فهو يغوص بتحليلات عميقه عن أصل تلك المفاهيم ولماذا تأخذ
الصداره من الأهميه في مجتمعات وتكون في ذيل الأهتمامات في مجتمعات أخري ؟
ماهو الزواج ؟ هل بالضروره كل أنسان يتزوج ؟ ومن أين أتت
تلك الأسس التي كونت هذه الضروره ؟ وبأي حق يكون للأخر صفه ووصايه بالتدخل في
أداره الحياه الخاصه للأنسان ؟
ماهو الأنجاب ؟ هل الأنجاب حق أخلاقي أم فطري أم مسايره
للأخرين ؟ لماذا يسعي البشر للأنجاب ؟ هل لتخليد ذكراهم ؟ لكن التاريخ أثبت أن
أكثر الخالدين في ذكراهم ليسوا من أنجبوا أطفال بل من أنجبوا أفكار أو أكتشافات
علميه أو طبيه ...الخ
علي سبيل المثال وليس الحصر :
الفلاسفه : سقراط / أفلاطون / أرسطو / إيمنويل كانط هيجل
/ شوبنهاور / بيرتراندرسل / جان بول سارتر وغيرهم الكثير والكثير من الفلاسفه في
شتي مدارس الفلسفه
علماء خالدون / ألسكندر فلمنج مكتشف البنسلين الذي أحدث
ثوره طبيه هائله كان لها الفضل في المضادات الحيويه التي أنقذت البشريه حتي يومنا
هذا من أعراض جانبيه خطيره كانت تفتك بالبشريه قبل أكتشاف البنسلين /
جوزيف لستر مكتشف التعقيم في العمليات الجراحيه والتي
لولا أكتشافه لكانت نسبه وفيات المرضي من أي عمليه جراحيه مهما كانت بسيطه عاليه
جدا حيث كانت أسباب الوفيات قبل أكتشاف التعقيم في 90 % من العمليات عائد لعدم
التعقيم وتلوث جسم المريض فورا لكن بعد هذا الأكتشاف أصبحت العمليات الجراحيه أكثر
أمانا وإن حدث تلوث في جسم المريض فهذا عائد لتقصير في أعدادات التعقيم وعدم أخذ
الأحتياطات والبرتوكلات العلميه بحذافيرها
ألسكندر غرهام
بل مكتشف التلفون والذي أحدثه نقله نوعيه في العالم وطرق تواصل البشر والمجتمعات
والدول /
توماس أديسون مكتشف المصباح الكهربائي الذي تطور فيما
بعد الي أن وصل للشكل الذي في شوارع العالم أجمع حاليا والمنازل وأحدث نقله نوعيه
في حياه البشر /
ويليس كارير
مخترع التكيف والذي لولا أختراعه لما كان أحد يستطيع مواصله حياته خصوصا في الدول
الحاره جغرافيا والتي تفوق درجات الحراره بها صيفا 40 درجه ومافوق !! خصوصا مع
تنامي ظاهره الأحتباس الحراري وتغير حاله المناخ في الكره الأرضيه عما كانت عليه
قبل 300 أو 1000 عام لذالك كان الأنسان قديما يتحمل الطقس الحار أكثر من أنسان
العصر الحالي .
وغيرهم من علماء أو فلاسفه أو مفكرين أو مثقفين كان
السبب في خلود أسمائهم هي أنجازاتهم التي عمت فائدتها للبشريه جمعاء أو أفكارهم
الثقافيه أو الفلسفيه أو الطبيه ....الخ
التاريخ لا يتذكر منجبي الأطفال بل منجبي الأفكار !
وبالعوده لطبيعه التفكير الفلسفي العميق الذي يفكر به
الشخص المحب للوحده حيث أن هذا النوع من التفكير يتطلب الأنعزال والبعد عن ضجيج المجموعات الفكريه النمطيه المتشابهه في الفعل ورده الفعل !
فكل ماتم ذكرهم
من علماء أعلاه سواء في مجال الطب أو الأكتشافات هم مارسوا التفكير الفلسفي للوصول
لما وصلوا إليه ويخطئ من يظن أن التفكير الفلسفي حكرا علي الفلاسفه وحدهم فهذا قصور
في أستيعاب حقيقه التفكير الفلسفي حيث أن العمود الفقري لأي تفكير فلسفي هو طرح
السؤال بطريقه مختلفه عن السؤال العادي السطحي
فلم يصل مخترع
التعقيم أو البنسلين أو التكيف أو التلفون ....الخ لأي أكتشاف لولا أنهم طرحوا
أسئله بطريقه فلسفيه .
كانت التفاحه تسقط يوميا أمام الجميع لكن عندما سقطت
أمام العالم أسحق نيوتن لم يمر سقوطها مرور الكرام لأنه طرح السؤال الفلسفي التالي
: لماذا سقطت التفاحه من أعلي لأسفل ؟ لماذا لم تنحرف يسارا 100 متر أو يمينا 100
متر أو أرتفعت للأعلي أو ضلت معلقه في الهواء ؟!
قادت تلك الأسئله الغير تقليديه الي أكتشاف قانون
الجاذبيه الأرضيه !
وبالعوده لموضوع مثل الزواج أو الأنجاب الذي عرضته علي
سبيل المثال وليس الحصر لبيان الفرق بين شخصين يجلسان منفردين الأول ذو تفكير
فلسفي والأخر شخص عادي ذو تفكير غير فلسفي حيث أن الأول سيطرح الأسئله من نوع
الأسئله التي أوردتها أعلاه أما الشخص العادي ذو التفكير الغير فلسفي فسيطرح أسئله
مثل ؟
لابد أن أتزوج
لأن الجميع تزوج وليس لأني مقتنع بالزواج ! ؟ ولابد أن أنجب أطفال لأن الجميع ينجب
وليس لأيماني بالأنجاب والأسره والزواج !
في هذا التفكير الغير فلسفي سيصل الفرد الي الأكتئاب
حتما للأسباب التي شرحتها في مقاله سابقه لي تناولت الفرق بين أكتئاب المثقفين
والفلاسفه وأكتئاب العوام ولا داعي لأعاده ما ذكرته بها ويستطيع القارئ الكريم
الرجوع للمقاله في مدونتي هذه .
الوحده إن كانت أختياريه وليست مفروضه جبرا علي الأنسان
لن تؤدي الي الهم والغم كما يزعم من يروج لهذه الفكره أذا كان من أختار الوحده
بأرادته الحره شخص صاحب تفكير فلسفي فلا غني عن الأنفراد مع الذات للتفكير الفلسفي
أو التأمل الفلسفي فالفرق بين التفكير والتأمل يكمن بأن التفكير ذو طبيعه تحليليه
الهدف منه الوصول لأعماق المفاهيم أما التأمل الفلسفي غير مرتبط بالتفكير بل
بتطهير الوجدان من شوائب الحياه السطحيه حيث نجد الفرد يستغرق بتأمل الفكره وليس
تحليلها !!!!
تأمل الفكره عمل جدا ممتع وهي الأستراحه التي يلجأ لها
عقل الفيلسوف بين الحين والأخر وأذا كانت الفكره موضوع التأمل عميقه بذاتها فملامح
الصمت والنظر بهدوء لأي مشهد في الأفق يخيم علي صاحبها أما أذا كانت الفكره موضوع
التأمل سخيفه وسطحيه فيكتفي الفرد ذو الطبيعه الفلسفيه بالأبتسامه الخفيفه كرده
فعل تلقائيه علي هزاله الطرح وأستصغاره !
التحذير من التفكير
والزعم أنه يؤدي للغم والهم لايكون صحيحا إلا أذا كان الشخص الموجه له التحذير من
الأشخاص العاديون المنشغلون دوما بالأخرين وتقليد مايفعلون لذالك تكون الوحده هنا وفي هذه الحاله تحديدا خطر
عليه ولابد أن يرتمي دوما وسط المجموع أما أذا كان الشخص الموجه له التحذير من
التفكير والوحده ذو طبيعه فكريه متأمله فلسفيه فيكون هنا حرمانه من الوحده
والتفكير هو الذي سيقوده للهم والغم وليس العكس !!!!
وهناك فرقا جوهريا أخر بين التفكير الفلسفي والتفكير
العادي يكمن في القناعه الشخصيه فدائما أي قرار يريد أن يتخذه صاحب التفكير
الفلسفي لابد أن يقتنع به كليا أما صاحب التفكير العادي معظم قرارات حياته لم
يتخذها عن قناعه شخصيه قط بل قام بأتخاذها لأن الأخرين لهم تأثير في وجدانه فهو يحيا
منذ ميلاده الي لحظه وفاته منفذا لقناعات الأخرين فهو لم يحيا حياته الخاصه نهائيا
!
لذالك نشاهد كثير من الأشخاص المحيط بهم العديد من الناس
ولهم أصدقاء كثر ولهم زملاء كثر ومتزوجون أي لا يحيون بمفردهم فالأخر محيط بهم علي
الدوام ورغم ذالك يشعرون بالأكتئاب الشديد حتي وإن لم يفصحوا عن ذالك وتظاهروا
بالسعاده والهناء وسبب هذا الأكتئاب أن جل قراراتهم ليست عن قناعه ذاتيه وعلي
العكس تماما نجد شخص يحيا بمفرده كليا ولايعاني الهم والغم لأن قرارات حياته كانت
مبنيه في معظمها عن قناعه ذاتيه بل حتي مفهوم الحزن والهم والغم عند الفلاسفه
والمفكرين له معني مختلف كليا عن غيرهم من عامه البشر فهو مفهوم جميل ويؤدي للسلام
الروحي وليس للأكتئاب وسبق أن تحدثت في مقاله لي كيف يكون الأنسان صديقا للألم
والحزن .
وهناك قبل الختام أسباب أخري للسمعه السيئه للتفكير
العميق في بعض المجتمعات حيث عندما تسيطر ثقافه منغلقه فكريا أيا ماكانت أسباب هذا الأنغلاق الثقافي علي الصعيد الأجتماعي فتخشي هذه الفئه من فقدان سيطرتها إذا ما
جلس كل فرد من أفراد المجتمع وفكر بعمق وأكتشف حقائق لم تكن تخطر علي باله وهو بعيدا
عن ممارسه التفكير العميق !
لذالك تخشي الفئات أحاديه الثقافه في أي مجتمع تواجدوا
به من الشخص المثقف والواعي لذالك تحارب نشر الثقافه والأبداع تحت حجج متنوعه
كثيره لا تعد ولا تحصي وتحارب مفاهيم مثل الأنفراد بالذات والتفكير العميق وبناء
الذات وتطويرها فكريا ولا تشجع ثقافه الحوار وقبول الأخر المختلف لأنها تري في
المختلف تهديدا لسيطرتها الفكريه علي الأخرين ثقافيا ودائما تميل لفرض وصايتها الفكريه الثقافيه علي غيرهم من ثقافات وهذا هو أحد أسباب التحذير من التفكير وتشويه سمعه المفكرين عبر تاريخ
الفكر البشري قاطبه منذ الأغريق القدماء وسقراط خير مثال مرورا بسلسله طويله من
المفكرين والفلاسفه والمثقفين
عندما أتأمل أسماء
العلماء الذين أكتشفوا أختراعات كبري غيرت مجري التاريخ في العديد من المجالات سواء طبيه أو علميه نتنعم
بها جميعا حاليا أسأل ذاتي سؤال غريب :
ماذا لو لم يتم
أكتشاف كل تلك الأكتشافات الوارده أعلاه وغيرها كيف كان شكل الحياه حاليا ؟
شبكه الأنترنت / تويتر
وغيرها من وسائل تواصل عديده / الهاتف النقال / طائرات / سيارات / أدويه / تكيف / كهرباء / .......الخ
من أكتشافات حقيقيه غيرت شكل الحياه 180 درجه
المبدعون في شتي
المجالات الأدبيه أو العلميه هم في الأساس لم يصلوا لهذه الأبداعات إلا عن طريق
التفكير الفلسفي غير العادي والبعيد عن ثقافه الدارج والمألوف
التفكير المطتور لايدعوا
كما يزعم البعض لألغاء القديم بل الي الأحتفاظ بما هو جميل منه وألغاء كل ماهو عكس
ذالك .
أما ثقافه الدارج والمألوف فهي تدعوا للعكس
تماما فهي ضد كل جديد جميل ونافع فكريا أو علميا ومع الأحتفاظ بكل ماهو دارج
ومألوف حتي لو كان ضد أبسط قواعد المنطق ؟!!
