الحب أم الضمير ؟
بالصدفه
شاهدت الفيلم العربي الجميل- ملاكي إسكندريه والذي أوحي لي بسؤال فلسفي عميق
طالما كانت الأجابه عليه أقرب للخيال منه لعالم الواقع ؟!
الفيلم
في تفاصيله يبدوا عاديا لكن بمضمونه يحمل أعماقا فلسفيه طالما ألقت بضلالها في
مجالات حياتنا الواقعيه ومنها علي سبيل المثال وليس الحصر ( الزواج / الطلاق /
الحب / القانون )
عندما
نقع في الحب لا نعود نشاهد إلا أجمل صفات المحبوب ولا نستطيع تصديق إلا أقوال
المحبوب ويصبح المحبوب في مصاف القديسين النبلاء ويرفض العقل الباطن لنا تصديق أي
أمر يشير ولو من بعيد أن المحبوب ربما ولو بنسبه 1 % في المليار أن يكون كاذب أم
مخادع سواء بحسن نيه أم سوء نيه !؟
في مجال
الواقع من البديهي أذا وقعنا في الحب أن نتغاضي عن هفوات بسيطه غير مؤثره في مضمون
العلاقه العاطفيه وهذه الهفوات لاتسمي خداع لكنها أقرب للميكاب منها للكذب !
( أني
لا أكذب لكني أتجمل ) ربما تعبر عن الهفوات التي قد يمررها البعض للمحبوب بأعتبار
أنها لاترتقي لمرتبه الخداع وتعد بمثابه مشاغبات بريئه عديمه الأثر تتشابه في أثرها مع الميكاب الذي يستخدمه نجوم السينما قبل
ظهورهم أمام عدسه الكاميرات فهو مهما كان مكثفا يضل يدور في نطاق تجميل الشكل وليس
تغيره أو تبديله كليا !
عندما
نشاهد ممثل سينمائي أو مطرب مشهور سواء
عربي أم أجنبي في مكان عام بالصدفه البحته كالسوبرماركت علي سبيل المثال وليس
الحصر سنتعرف عليه فورا رغم أنه في الفيلم وخلف الشاشه مختلف كليا بسبب طريقه الميكاب
الخاص بالفنانون والذي يوضع لهم قبل الظهور علي الشاشه السينمائيه أو التلفزيونيه
ولكن حين يظهر أو تظهر هذه الفنانه أو الفنان دون ميكاب في مكان عام بالصدفه سيضل
في أماكننا التعرف عليه بمجرد التدقيق في ملامحه .
لانستطيع
أن نقول علي سبيل المثال وليس الحصر عن الممثل الراحل رشدي أباضه أنه الراحل فريد
الأطرش أو المطرب عمرو دياب أنه المطرب هاني شاكر .....الخ
سيضل
رشدي أباضه هو ذاته سواء في الشاشه أم في الواقع ( من الناحيه الشكليه ) مهما كانت
كميه الميكاب مستخدمه في الظهور السينمائي أو التلفزيوني أو الحفلات العامه .
أما
الخداع فهو مختلف كليا عن الميكاب حيث أن دور المكياج الرئيسي هو ( التزين وتجميل
الملامح ) أما عمليه التجميل فدورها تغير الملامح وشتان بين تجميل وتغير ؟!
مفهوم
الخداع في علاقات الحب يطرح سؤالا وجدانيا وفلسفيا عميقا وهو :
هل لو
وقع أحدنا في الحب وثم الزواج وأكتشف متأخرا أن الشريك العاطفي قام بخداعه وأستغلاله
هل سيغفر الطرف الثاني ( المخدوع ) ويسامح الطرف الأول ( الخادع ) وتستمر العلاقه
أم ستنهار العلاقه كليا وتنقطع ؟
ولمزيد
من الأيضاح :
أنا هنا
لا أتحدث عن مفهوم الخيانه الزوجيه كليا بل أتحدث عن خداع مماثل لتفاصيل قصه فيلم
( ملاكي إسكندريه ) المشار له في هذا المقال والذي أوحي لي بموضوع المناقشه في هذه
الخاطره الكتابيه .
ولابد
هنا للتفرقه بين نوعين من المواضيع منعا للبس والغموض وهما ما يكون أخفائه عن
الطرف الثاني غير مؤثر في طبيعه العلاقه نهائيا بمعني سواء علم به الطرف الثاني أم
لم يعلم ليس له تأثير وهذا يختلف بدوره عن مواضيع كان يجب الأفصاح عنها لأنها
لاتخص الشخص ذاته وأصبحت من الماضي بل لها صله بالطرف الثاني في العلاقه ويعد
أخفائها نوع من أنواع التحايل وأستغلال طرف لأخر بأسم الحب حتي لو كان هذا الطرف المستغل
فعلا يحب الطرف المخدوع ؟!
أمثله
للتفرقه بين ماهو غير مؤثر وماهو مؤثر في طبيعه العلاقه العاطفيه والمقصود
بالعلاقه العاطفيه السليمه والحقيقه والقائمه بدون أسباب كما شرحت ذالك مرارا بمقالاتي
السابقه أو برنامجي شمعه وكتاب في قناتي :
مثال رقم 1:
الطرف الأول
له علاقه عاطفيه سابقه أو أكثر وأنتهت كليا قبل علاقته الحاليه هل أخفاء ذالك عن
الطرف الثاني يعد خداع أم لا ؟
مثال رقم 2 :
الطرف الأول
متزوج سرا هل أخفاء هذه المعلومه يعد خداع أم لا ؟
في مثال
رقم 1 لا أشاهد أن الأفصاح عن علاقه عاطفيه سابقه وأنتهت أمر مؤثرا في علاقه الحب
أو الزواج الحاليه لأن ماضي الأنسان ملكه وحده في حدود عدم أمتداد أثر الماضي
للحاضر في العلاقه الجديده وطالما علاقه عاطفيه سابقه وأنتهت فمن وجهه نظري (
الخاصه ) أن أخفاء هذه المعلومه أو الأفصاح عنها سيان ليس لها أثر في العلاقه
الحاليه
ومن
البديهي لأي أنسان طبيعي أن يتعرض منذ ولادته حتي لحظه لقائه بالحب الحقيقي في
حياته أن يمر في حياته حالات من أشباه الحب الأربعون سواء كان من طرف واحد أم
طرفان وأخفاء معلومه أنك كنت في علاقه عاطفيه سابقه وأنتهت يبدوا من وجهه نظري كمن
يخفي أنه سافر يوما ما الي البرازيل أو كوستاريكا فسواء علم الطرف الثاني
بالمعلومه أم لم يعلم ليس لها وزن في العلاقه الحاليه وتندرج في أيطار تفاصيل الحياه
الشخصيه العاديه لكل أنسان طالما كان أثرها في حدود الشخص ذاته وأنتهت قبل العلاقه
الحاليه .
أما
المثال رقم 2 فهذا خداع حقيقي لأن أخفاء الزواج سرا وعدم البوح به للطرف الثاني
كأخفاء الرجل أنه متزوج سرا فهذه المعلومه لايقتصر أثرها علي الرجل ذاته بل يمتد
الي زوجته الجديده لأن أثر علاقته الزوجيه السابقه قائم ومستمر وفي أخفاء هذه
المعلومه الحساسه خداع وتضليل وليس من حق الرجل أخفاء معلومه مثل تلك لما لها من
عواقب قانونيه وشرعيه لاحقه علي الزوجه الجديده لذالك يعد هذا الرجل مخادع لا جدال
في ذالك ( من وجهه نظري الشخصيه ).
فيلم
ملاكي إسكندريه يتحدث عن أسوأ نوع من أنواع الخداع والذي يتعدي مفهوم الخداع العادي
الي مفهوم الخداع بغرض الأستغلال وهو المرتبه الدنيا من أنواع الخداع وأبشعها !!
عندما
يكون خداع المحبوب من أجل أستغلاله والحصول منه علي منفعه كقصه تفاصيل الفيلم
المشار له أعلاه هنا نحن أمام مأساه أجتماعيه وقانونيه وأخلاقيه لذالك تفاصيل
الفيلم تتعدي مجرد خداع طرف لطرف أخر الي مسأله الصراع بين الضمير الأخلاقي
والمهني عندما يصطدم بشعور الحب .
أصعب
المواقف في الحياه هو موقف المواجه بين الحب والضمير ولابد من التضحيه بأحدهم
ولاخيار أخر أما راحه الضمير أو راح القلب !
بطل الفيلم
الفنان أحمد عز ضحي بمحبوبته الفنانه غاده عادل من أجل تحقيق العداله وأراحه ضميره
الأخلاقي علي حساب راحه قلبه رغم حبه الشديد لزوجته في الفيلم ورغم أن له طفله
منها وكل ذالك لم يكن شفيعا لزوجته أمام ماقامت به من خداع بأسم الحب مستغله حب
البطل لها وهو في ذات الوقت المحامي عنها في التهمه الموجهه لها وأستطاع بقوه
أيمانه بحبه لمحبوبته أن ينال البراءه لمحبوبته من التهمه المنسوبه إليها وقام
بتصديق كافه أقوال محبوبته بثقه المحب في محبوبه ولكن للأسف لم تكن محبوبته صادقه
في أقوالها والتي بناء عليها دافع عنها بطل الفيلم دفاع مستميت حتي حصل علي
البراءه لها رغم كل الدلائل من سياق أحداث الفيلم كانت تشير الي أنها مدانه لا
محاله ورفض كثير من المحامين الدفاع عنها بسبب أن نسبه خساره القضيه تكاد تكون
99,9% إلا أن بطل الفيلم هو الوحيد الذي أمن أن محبوبته بريئه لأنه صدق أقوالها
والتي كانت مرسومه بدقه وقدمت أدله مصطنعه مضلله لمحبوبها ومحبوكه بذكاء أجرامي خصوصا
من شركائها في الجريمه والغريب في تفاصيل الفيلم والتي ليست بعيده عن عالم الواقع
أن يكتشف البطل أنه تم خداعه وأستغلاله مرتين علي يد أعز أثنان في حياته وهما
محبوبته وصديق عمره وأسفر عن ذالك أن تم الزج بأنسانه غير مذنبه في السجن وأخراج
المذنب الحقيقي وهي محبوبته وشركائها !
مشهد نهايه
الفيلم يحمل سؤال فلسفي عميق وهو :
هل لو
أكتشف أحد الزوجين الذين تزوجا عن حب حقيقي أن الشريك العاطفي قام بخداعه من أجل
أستغلاله هل سيختار الحب أم الضمير الأخلاقي ؟
هل نهايه
الفيلم عباره عن أمر غير واقعي حيث من النوادر جدا أن يتصرف شخص بذات ما تصرف به
بطل الفيلم في مشهد النهايه وأختار راحه الضمير علي راحه القلب ؟
عندي رأي شخصي في مشهد النهايه وربما قد أكون
مخطئ به !!
أعتقد أن
سبب تصرف البطل في مشهد النهايه ليس أنه يريد راحه الضمير علي حساب راحه القلب فقط
وربما هذا صحيح لكن من وجهه نظري أن الدافع الأكبر لتصرفه بهذه الطريقه في مشهد
النهايه هو أكتشافه أنه تعرض لأقسي أنواع الخداع والأستغلال وهي خداع المحبوب حيث
يستطيع الأنسان تقبل أن يتم خداعه من أنسان عادي لاتربطه به صله ثقه وحب أو صداقه
أما أن نكتشف فجأه أن من قام بخداعنا وأستغلانا هم أكثر من سلمنا قلوبنا لهم فهذا
يعد ألم مابعده ألم .
أن تستغل
الأخرين عمل غير أخلاقي ومنبوذ أما أن تستغل من جعلك كل حياته ووثق بك أكثر من
وثوقه بذاته فأنت هنا في الدرك الأسفل من .........!!!!
ربما تكون
بطله الفيلم كما هو واضح من سياق السيناريو أنها بالفعل أحبت البطل وربما لم تكن
تخدعه في حبها الصادق له ولذالك تزوجا فيما بعد وأنجب أبنتهما لكن هل صدق مشاعر
الحب يبرر كذب أفعالها وأقوالها ؟!
هنا أعيد
ما جاء أعلاه في هذه المقاله وهو ضروره التفرقه في عالم العاطفه والحب بين ما يعد أخفائه
بمثابه خداع أو مجرد معلومات وأحداث يعد الأفصاح عنها وعدمه لاقيمه لها ولا يعد
أخفائها خداع نهائيا .
ما قامت
به البطله في الفيلم يعد أسوأ أنواع الخداع وهو الخداع بهدف الأستغلال لمحبوبها
حتي تنال البراءه المزيفه علي يده حين تخلي عنها الجميع لعدم تصديقهم أنها بريئه
عدا محبوبها وهو الوحيد الذي أمن ببرائتها أشد الأيمان وفي نهايه السيناريو أتضح
أنه مجرد جسر عبور .
نعم نال
براءه محبوبته ونعم تزوجها وأنجب منها طفلته الجميله ونعم كان يحبها بقوه تحطم
الصخور ولكن كل ذالك تلاشي فجأه في أقل من ثواني عند أكتشافه الطعنه القادمه من
محبوبته .
بطل الفيلم
لم يكتشف خديعه محبوبته عن بحث وتحري بل بالصدفه البحته أرسل ألله له حدث معين كان
الخيط الذي من خلاله أكتشف خداع محبوبته لذالك من يتابعني في مقالاتي السابقه أو
برنامج شمعه وكتاب أحبك بدون أسباب في قناتي يتذكر مقولتي عندما قلت أن القلب له
رب يحميه وهذا مفاده أن الأنسان صاحب القلب المحب حبا حقيقيا لن يرضي ألله تعالي
له أن يضل مخدوعا بشخص لايستحق هذا الحب وسوف يكشف ألله لقلوب العاشقين سوء من
تعلقوا بهم عاجلا أم أجلا مهما كانت براعه المخادعون وأتقانهم ودون أدني جهد من
صاحب القلب الأبيض النقي سوف يسوق ألله له دليل الخداع من أبسط تفصيله لم تخطر علي
بال المخادع !!
أسئله فلسفيه بيني وبين ذاتي لم أجد أجابه
قطعيه لها !
مازلت أتسائل هل ماقام به البطل في مشهد
النهايه في الفيلم موضوع تحليل المقال يعبر عن مواجهه حقيقيه بين الضمير الأخلاقي
والحب أم رده فعل تلقائيه علي كشفه خداع محبوبته له وأستغلالها لوظيفته ؟
هل كان حبه لها حقيقيا أم من أشباه الحب
الأربعون ؟ هل الحب الحقيقي يتعارض مع الضمير في حال حدثت المواجهه بينهم ؟ هل
تصرف البطل في الفيلم في مشهد النهايه به مبالغه ومثاليه ليست موجوده في أرض
الواقع ؟
هل كان حبه لها مزيفا لذالك لم يستطيع غفران
ما فعلته وتكمله زواجهما خصوصا أن بينهم طفله ؟ وهل كل خداع يغتفر ؟!
هل كان يجب أن يتصرف بهذه الطريقه حتي يخرج أنسانه
بريئه من السجن ليس لها ذنب سوي أنها ضحيه تدليس وخداع محبوبته ؟
هل لو لم يكن هناك شخص غير مذنب تم الزج به
ظلما في السجن هل كان سيتصرف البطل بذات الطريقه بمعني أخر هل لو الجريمه قيدت ضد
مجهول كان تصرفه سيكون مختلفا عن ماقام به في مشهد النهايه علي أعتبار أن التستر
علي محبوبته لم يؤدي الي ظلم أنسان أخر زورا وبهتانا ؟
هل الحب الحقيقي يتعارض مع الضمير الأخلاقي
بالمفهوم الكانطي ( نسبه للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ) في نظريته في أخلاق الواجب
.
هل سبب تصرف البطل في مشهد النهايه مرده
شعوره بأنه تم خداعه أم فعلا أنه صاحب ضمير أخلاقي ؟!
في حال كان فعلا صاحب ضمير أخلاقي فهو حتما
بطل أسطوري فضل أن ينام مرتاح الضمير موجوع القلب علي أن ينام مرتاح القلب موجوع
الضمير وشتان بين ألم الضمير وألم القلب وهذا أتضح بشده في أحتضان البطل للبطله في
مشهد النهايه كأخر حضن مليئ بالدموع مفضلا راحه الضمير علي راحه القلب إن كان
تصرفه فعلا يعبر عن رغبه في أراحه ضميره الأخلاقي وليس أنتقاما من محبوبته علي
خداعها له حيث لو كان الأمر كذالك فالبطل في تصرفه لايعبر عن شخص فضل الضمير علي
الحب بل يعبر عن صدمه عاشق في أنكسار الثقه في المعشوق ظهرت في شكل راحه ضمير
أخلاقي !
تحيه لأبطال الفيلم
والمؤلف والمخرجه المتألقه ساندرا نشأت وأدعو لمشاهده الفيلم لتتبع كيف كانت تقوم
البطله بأخفاء الحقائق بمنتهي البراءه مستغله الحب الذي نشأ بينها وبين البطل
وأختلط عليها الأمر بين ما يجب أن يقال في عالم الحب وما ليس له أهميه تذكر بذكره
أم كتمانه !