نسيت أعيش !
موضوع هذا المقال ليس جديدا كليا في طرحه فقد طرحته
سابقا لكن بدوافع وتفاصيل مختلفه وجدانيه مع البقاء علي جوهر الفكره
أغلب البشر من البديهي أحيانا وأثناء قمه الأنشغال قد
ينسي مفتاح سيارته أو أين وضع محفظه بطاقاته أو نقوده أو قد ينسي موعد مع شخص غير
مهم في حياته للدرجه التي ينتظر لقائه بفارغ الصبر أو قد ينسي أين وضع ورقه هامه
من أوراقه ......الخ من أمور تحدث أحيانا لمعظم البشر وهذا بديهي وطبيعي
لكن هل ممكن أن ينسي الأنسان أن
يعيش الحياه ذاتها ؟!
نولد ثم ننخرط في النظام التعليمي بجميع مراحله ثم من
لديه طموح علمي أكبر من المستوي العام وهو الحصول علي الأجازه الجامعيه ليكمل
درجات علميه أعلا ثم يبحث عن عمل ليلائم طموحه ثم ينخرط في تطوير مهاراته العلميه
أو العمليه ويضاف لهم علاقاته الأجتماعيه والعائليه ......الخ من سلسله طويله
يفرضها المجتمع الأنساني شرقا أم غربا تأخذ حيزا كبيرا من طاقه الأنسان ومجهوده
وبالطبع ليس الجميع مر في كافه المراحل التعليميه أو
الوظيفيه وماورد أعلاه هو مثال واحد فقط من شكل الحياه لأي أنسان وهناك عده أشكال
أخري متعدده لاتتبع بالضروره التسلسل المعتاد أجتماعيا لكن ورغم ذالك وأيا ما كان
الشكل الأجتماعي الذي وجد الأنسان ذاته منخرط به سلبا أو أيجابا سواء حرا في أختياره أم
مجبورا فهو في النهايه يضل مهموم أما بتخطي واقعه السيئ لواقع أفضل أو بأنجاز أهدافه
وطموحاته التي لن تقف عند حد معين
الطموح يبدأ بأمنيه تجر خلفها أمنيه أخري ثم يجد الأنسان
ذاته بدأ من أمنيه رئيسيه له في حياته ثم تفرعت عنها سلسله أماني طويله كلما تم
الوصول لواحده برزت علي السطح الأخري !
كان الفيلسوف الفرنسي سارتر يصنف موت الأنسان بتوقفه عن
الطموح والأكتفاء بما وصل إليه وهذا ما يسميه سارتر أرتداد الأنسان لمرتبه الشيئ
في ذاته كالطاوله أو الكرسي حيث ستضل الطاوله هكذا في مكانها أبد الدهر إن لم
يحركها أحد
أما ما يسميه سارتر الشيئ لذاته وليس في ذاته وهنا
للدلاله علي أن الأنسان هو شيئ لذاته بمعني يسعي علي الدوام لتحقيق ذاته عن طريق
أختياراته المتواصله طيله حياته
من وجهه نظر سارتر الأنسان عندما يصل لمرحله ما من
الأنجازات لا يتوقف قط فمن كان علي سبيل المثال موظف صغير أصبح مع الوقت موظف كبير
وله منصب أعلي وأكبر
من كان تاجرا صغيرا في بداياته من المفترض أنه بعد مضي
الوقت أصبح تاجرا كبيرا وله أسمه في السوق
من كانت أمنيته الحصول علي مليون دولار وحصل عليها من
المفترض أنه بعد مضي مده من الزمن أن يصبح المليون عشره ملايين عن طريق أنماء رأس
المال وتطويره إن كان ذو عقليه تجاريه
المغزي من رأي سارتر أن الفرق بين الجماد والأنسان يكمن
في الحركه والوعي في ذات الوقت أن هذه الحركه نابعه من الشخص ذاته ليتقدم للأمام
بأستمرار وليست حركه نابعه من قوه خارجيه
الطاوله لاتتحرك
إلا أذا شخص ما قام بتحريكها من يمين الغرفه الي جهه اليسار أو العكس لكن هي لم تتحرك
من تلقاء ذاتها لذالك أطلق عليه سارتر الشيئ في ذاته وليس لذاته
بعكس الأنسان
الذي يتحرك من تلقاء ذاته وهو في ذات الوقت واعي لهذه الحركه أن مصدرها حريته
الشخصيه في تحديد مكان تواجده في الحياه لذالك الحريه مسؤليه الأنسان الحي من وجهه
نظر سارتر وهو بالمناسبه فيلسوف وجودي غير تشائمي علي العكس من بعض فلاسفه الوجود
أصحاب النظره التشائميه ولكن رأي الشخصي أنه توجد نظره تشائميه متفائله وأخري نظره
متفائله تشائميه !!!
ولكن ؟
من خلال سعي الأنسان لتحقيق ذاته بشكل متواصل وأنشغاله
الدائم والدؤوب في الوصول لأهدافه ومع رتم الحياه السريع في عصرنا الراهن والذي
بالكاد 24 ساعه وهي عدد ساعات اليوم الواحد أقول بالكاد تكفي لمجموعه من المهام
التي تحتاج أن يتكون اليوم من 48 ساعه علي أقل تقدير وليس 24 !
لذالك أقول من خلال أنشغال الأنسان بتحقيق متطلبات الذات
من جهه ومن متطلبات الحياه من جهه أخري قد يسقط سهوا في طريق السعي أمورا هي في
الأساس مانريد من سعينا المتواصل أن نحققها !!!!
الطالب يريد أنهاء مشواره التعليمي والموظف يريد العمل بجهد للترقي الوظيفي والأعزب يرغب بتكوين رأس المال ليكون مستعد للزواج والمتزوج مشغول بأستمرار بتأمين متطلبات أولاده وزجته ومنهك طيله اليوم بالتفكير بكيفيه زياده دخل الأسره لمجابهه متطلبات الحياه الي تتعاظم جراء نمو الأولاد وأنتقالهم من مرحله الي أخري وأحساس الأب تجاه أبنائه في تأمين متطلباتهم من شتي نواحيها فمنهم من يغترب خارج وطنه لكسب الرزق ومنهم من يعمل بأكثر من وظيفه وصنعه
متطلبات الحياه في هذا الزمن متنوعه وكثيره وتختلف من
شخص الي أخر طبقا لمستوي وعيه وثقافته ونظرته العامه للحياه لكن الجميع منشغل أيا
ماكان مستوي وعيهم أو ثقافتهم بتأمين متطلبات الحياه التي أصبحت لاترحم وقاسيه رغم
تطور كافه سبل الراحه مقارنه بالأزمنه السابقه لكن الراحه في عصرنا الحالي هي راحه
شكليه فقط ولكن جوهرها أرهاق وتعب حد الأغماء
أما في أزمنه سابقه كان التعب هو عنوان المرحله شكليا لكن البال ينعم بالراحه والرواق جوهرا !
عزيزي القارئ الكريم
هل جربت شخصيا ركوب القطار السريع تاره وركوب القطار العادي البطيئ نسبيا تاره أخري ؟
حتي وإن لم تجرب علي الأقل تستطيع تخيل الفرق الجوهري
بين القطارين حيث في بعض الدول هناك مايسمي القطار السريع فمثلا في اليابان وبعض
مقاطعات الصين وبعص العواصم الأوربيه وبعض الدول شرقا أو غربا هناك قطار يستطيع
قطع المسافه بين نقطه أ ونقطه ب في خلال ساعه أو أثنتان أو ثلاث علي أقصي تقدير في
سرعه لاتقل أحيانا عن 400-450 كم في
الساعه وهي قريبه من سرعه طائره صغيره نسبيا حيث أن سرعه الطائره في العاده بين
800 و990 كم في الساعه وأحيانا فوق 1000 كم
أما القطار العادي فيقطع ذات المسافه بين النقطه أ
والنقطه ب في خلال 6 أو 7 ساعات أو أكثر وهذا هو السبب في غلاء سعر تذكره القطار
السريع مقارنه بالقطار العادي
حيث أنه في الغالب أن القطار السريع لايتوقف بين محطه المغادره ومحطه الوصول بعكس القطار العادي فكل كم كيلومتر يتوقف في محطه لأنزال ركاب وتحميل أخرون
القطار السريع مفيد لمن لديه مواعيد عمل متعدده ويريد
أختصار الوقت حتي ينجر أعماله في خلال اليوم ويستطيع ربما أنجاز أكثر من عمل خلال
مده زمنيه قصيره والقطار السريع لمن يكون علي سفر من مطار في ولايه رئيسيه وهو
مقيم في مدينه صغيره ويريد اللحاق علي موعد الطائره والقطار السريع مفيد أيضا
للسائح الذي ليس لديه وقت أجازه طويل ويريد أن يشاهد أكثر من مدينه في زمن قصير
وقياسي
بأختصار أسباب السفر بالقطار السريع معظمها من أجل
أختصار الوقت وليس المتعه بعكس القطار العادي
أثناء أستقلال القطار العادي خصوصا بين المدن الريفيه
الخضراء الجميله والبحيرات الوادعه والجبال المسكوه بالثلوج يتيح للراكب عده أمور
لايتيحها القطار السريع منها علي سبيل المثال وليس الحصر :
1- يتاح للراكب تأمل المناظر الطبيعيه وألتقاط التصوير
لها إن أراد ذالك للذكري
2- عند توقف القطار في أكثر من محطه يستطيع الراكب
التأمل بهدوء لهذه المحطه وطبيعه الناس القاطنين بها
3- تتاح فرصه التعرف علي أصدقاء جدد خلال القطارات
العاديه أكثر من السريعه لنظرا لوجود هامش من الوقت قد تتيح الأقدار فرصه لقاء بين
غرباء يتحاوران في مواضيع قد لانتحاور بها من أقرب الأقرباء !
لنطبق مثال القطار أعلاه علي الحياه ذاتها ومنها أوجه هذه الرسائل الأربع :
رساله رقم 1
الي الأب المغترب عن أبنائه
أنت بطل وتحملت الغربه طويلا من أجل توفير متطلبات الحياه الكريمه لأبنائك ولو في حدودها الدنيا وفق أمكانياتك المتاحه
فجأه كبر الأبناء دون أن تشعر فأبنتك الطفله التي كانت
بالأمس تحدثك عن ألعابها أصبحت الأن طالبه جامعيه أو ربما تحضر درجه الماجستير أو
الدكتوراه وأبنك فجأه تخرج من الجامعه وتوظف وربما تزوج وأنت صدمت عند عودتك مشتاق
لمعانقه أطفالك وإذ وجدتهم كبارا رحلت عنهم المراحل التي كانوا بحاجه لتواجدك بها
معهم شخصيا وليس فقط للمال وأنت كذالك كنت في أمس الحاجه أن يكبر أبنائك وأنت
بجانبهم حتي يصبحوا أصدقاء لك وملجأ لأسرارك وهمومك في الحياه
لكن لم تعش معم طفولتهم فكنت مشغول طيله الوقت بتأمين
متطلبات الحياه لأبنائك حتي كبروا فجأه وأصبحت لكل منهم حياته الخاصه وأسرارهم
الخاصه
ووجدت ذاتك فجأه
غريبا وسط أبنائك لأنهم لم يعتادوا وجودك ومشاركتهم مشاكلهم وهمومهم في أدق
تفاصيلها
لم تركض إليك أبنتك تبكي باحثه عن الأمان من غضب بعض
المدرسات في المدرسه ولم تروي لك أبنتك عن أول قصه حب لها وتريد أن تأخذ رأيك بمن
يريد التقدم منها وتعاملك كصديق وليس أب
تفاصيل كثيره جميله لم تعشها وأنشغلت عنها بتأمين متطلبات عيشها بطريقه القطار السريع وليس القطار العادي الذي كان بالأمكان أن تستقله وتمسك العصا من المنتصف وهو تأمين متطلبات العيش وفي ذات الوقت أن تحيا أدق تفاصيل حياتك دون أن تشعر فجأه بأن عمرك ذهب دون أن تشعر بأجمل أيامه
رساله رقم 2
الي من وقع الحب به وليس من وقع بالحب!!
عش أدق تفاصيل الحب حيث هناك من وقع الحب به وليس هو من
وقع في الحب وشتان بين الوقيعتين !
الأولي تسمي علاقه حب شكلا ولكن موضوعا يشعر الطرفان
بوجود حاجز وجداني لايسمح بالشعور بالطمأنينه والأريحيه المطلقه
والثانيه قدر جميل يحيا بموجبه الأنسان 60 حياه خلال
الدقيقه الواحده علي أعتبار أن الدقيقه مكنونه من ستون ثانيه !
ويحيا 24 حياه في اليوم علي أعتبار أن اليوم مكون من 24
ساعه
عندما يقع بك الحب تقفز علي التفاصيل الدقيقه لتحيا
خلاصه التجربه وليس التجربه العاطفيه ذاتها من خلال المعاناه والأهتمام بأدق
التفاصيل للمحبوب ....الخ من جماليات ورعه الحب لذالك ستشعر كأنما أنك في حاله حب لاتشعر
من خلالها أنك في حاله حب !!
أما عندما تقع في الحب بعكس الحاله الأولي أعلاه فأنك تحيا أدق تفاصيل الحب لذالك ستشعر في كل لحظه بالبهجه والطمأنينه وأنك مع الأنسان الوحيد الصح في حياتك والأخرون مجرد أخطاء تتعلم منها !!
عندما نحيا تفاصيل حياه من نحب سيتلاشي تدريجيا معني أنا
وأنتي لتحل محلها كلمه نحن !
أحمل محبوبتك فوق ظهرك وأركض بها بين البساتين كالأطفال وتنفس هواء لايشبه الأكسجين
الجسد وقوده الهواء المحمل بذرات الأكسجين والروح هوائها محمل بذرات الحب والشوق واللهفه والموده والرحمه
عندما يقع الحب بنا نولد أقرباء وننتهي غرباء ولكن عندما
نقع بالحب نولد أقرباء ونزداد قربا في كل لحظه
الفرق يكمن في معايشه التفاصيل هي من تجعلنا غرباء أو أقرباء !
رساله رقم 3
الي من يفكر كثيرا بشكل مبالغ به في أيجاد معني وتفسير منطقي لكل حدث وفعل ؟!
ألم تسمع بالمدرسه العبثيه وهي الأبنه الصغري للمدرسه الوجوديه وكان لرواد العبثيه أمثال ألبير كامو وإيميل سيوران وغيرهم عباره شهيره مفادها
ليس دائما هناك تفسير منطقي لكل حدث وكلمه وفعل سواء أجتهدنا عميقا في التفكير أو تكاسلنا في التفسير فالنتيجه أحيانا وليس دائما سيان !
الغير منطقي ليس بالضروره أمرا ليس له تفسير مقنع بل ربما نحن فقط لم نعثر علي التفسير أو المبرر لحدوثه حاليا وهذا الوضع مؤقت وليس قاعده ثابته فربما سيظهر لاحقا مايفسر بعض الأحداث التي لم نجد لها تبرير في الوقت الراهن
وحتي إن لم نكتشف مستقبلا ذالك المنطق في حدوث هذا الفعل أو ذاك فمن غير المنطقي أن تضيع أعمارنا في محاوله أيجاد تبرير لأمر أساسا فاقد لمقومات حدوثه !
لاتبالغ كثيرا في التعمق في تفسير معني الحياه والمفاهيم أكثر من أن تحيا الحياه ذاتها ولخص هذا المعني الفلسفي المؤلف اليوناني نيكوس كازاانتزاكيس في روايه زوربا
عش الحياه بشكل متوازن بين محاوله تفسيرها وعيشها ولاتدع جانب يمحي الجانب الأخر حيث إن سيطر الجانب التحليلي المبالغ به سيمضي عمرك تنظر للحياه دون عيشها وإن سيطر الجانب العملي وتنغمس فقط في العيش دون التفكير والتأمل ستكون حياه الأنسان والمعذره للقارئ الكريم أقرب للبهائم التي تأكل وتشرب وتتكاثر ولاشيئ أخر لكن الأنسان أكرمه ألله بنعمه العقل لذالك يجب أن تكون حياته وقيمها الكبري متوازنه كما قال الفيلسوف أرسطو
أستقل القطار البطيئ وأستمتع بالطريق وأنت تتأمله حتي تستمتع بالجانبين !
رساله رقم 4
رساله لجميع البشر
أيا ما كانت أمانيكم أو أحلامكم
ماديه كانت أم معنويه أنتبهوا أن تضيع أعماركم في تكوين أو السعي لتحقيق متطلبات
الحياه وطموحها وعندما يتم تحقيقها لاتجدون الحياه التي من أجلها سعي كل منكم طيله
مشوار الطريق أن يحياها !
نسيت أعيش هي صرخه وجدان في وجه
رتم الحياه السريع المعاصر ونداء أخير للحاق علي ماتبقي من حياه في أعماركم !
الصوره المرفقه تعبيريه فقط للتنويه