السبت، 5 أكتوبر 2019

أنكسار النفس


أنكسار النفس


سبق وأن كان لي في هذه المدونه مقاله بعنوان أنكسار المعني وكان سياقها يدور في كيف يمكن للمعاني أن تفقد معانيها في وجدان الفرد عن طريق أكتشافه معاني أخري لها مغايره عن المألوف أو لامعني أما في هذه المقاله سوف أتحدث كيف يمكن للقيم أن تفقد قيمها كقيمه المال أو الصداقه أو الحب ؟!


النفس وفق رؤيتي الشخصيه لها هي مركز تجمع الحاجات والرغبات والأماني والأحلام في أعماق الذات هي القاعده الصلبه التي تنطلق منها الذات في هذا الوجود وهذا العالم .


فأي عطب أو أصابه أو خلل  لمركز العمليات في أعماق الذات هي أصابه حتما في النفس الراغبه أو المحتاجه أو الحالمه أو المتمنيه !؟

أمثله قليله من عشرات الأمثله علي القيم التي تتأثر سلبا أو أيجابا بأي ضربات بالنفس العميقه القابعه داخل الوجدان :

أولا- قيمه المال :

المال عصب الحياه للأفراد وللدول كذالك فلا يوجد أي فرد في هذا العالم يستطيع الأستغناء عن المال بل يقال أنه يمكن الأستغناء عن الأصدقاء وعن الزواج وعن الحب وعن كثير من الأمور في هذه الحياه ولكن لايمكن وبأي حال من الأحوال الأستغناء عن المال لأنه الأمر الوحيد الذي يجبرك علي الحاجه إليه بأستمرار وفي شتي الظروف والأحوال !

 لذالك يشدد أصحاب نظريه المال أساس الأسس أن قيمه المال تأتي علي رأس قاموس القيم التي تشغل كافه الأفراد بكافه مستوياتهم الفكريه والأيدولوجيه والثقافيه والدينيه .

لكن هل هذا الزعم سديد ؟! أقصد هل فعلا المال له قيمه في حد ذاته وهو سيد القيم وهو الأمر الوحيد في الحياه الذي لايمكن الأستغناء عنه ؟

هذا الزعم يضل سليما لكل نفس لم تنكسر أما للأنفس المنكسره المال يتحول الي أوراق نقديه صدر قرار من الدوله بتجميدها وحظر التعامل معها وأحالتها الي متاحف العملات ؟!

لنفترض علي سبيل الفرض الجدلي أن هناك مسابقه قوامها أختيار متسابق يتم تسليمه مبلغ ألفان دينار كويتي وتم الأشتراط عليه أن يدخل أكبر مول تجاري في الكويت ويصرف هذا المبلغ الذي لايعد مبلغا كبيرا وليس أيضا بالصغير جدا الأهم أن يتم صرفه في أمور تجلب السعاده للمتسابق ومن ضمن الأفتراض الجدلي أنه ممنوع الكذب بمعني لايستطيع المتسابق أن يدخل أي محل عشوائيا ويصرف المبلغ علي سلع هو ليس راغب بها وتم وضع شريحه صغيره ألكترونيه كاشفه للكذب في معصم يد المتسابق !!

والمتسابق هنا يعلم مسبقا أنه ليس بمقدوره الكذب وصرف المبلغ علي أمور ليس راغب بها لمجرد الفوز بالمسابقه حيث أن الجائزه الكبري عباره عن مبلغ مماثل لو نجح المتسابق في صرف المبلغ المسلم له في أمور يرغب بها فقط وليس صرف المبلغ عشوائيا كالذي لديه داء التسوق الذي يدخل للتسوق للتنفيس عن أكتئاب أو حاله غضب فليس هذا هو المقصود من المسابقه التي تهدف فقط الي قيام المتسابق بصرف المبلغ علي سلع تمثل له رغبات حقيقيه كان عدم وجود المال حائلا بينه وبينها .


دخل المتسابق المول وكلما مر أمام أحد المحلات بشتي أنواعها من ملابس أو عطور أو جلود ......الخ فلم تكن لديه أي رغبه حقيقيه لأقتناء أي سلعه وهذا عائد أما لتشبع هذا المتسابق من كافه ماهو معروض وسبق أن قام بأقتناء كل ماهو معروض وحاليا هو ليس بحاجه فعليه لأعاده شراء سلع لاتشكل له رغبه حقيقه أو بسبب أن السلع المعروضه لن يستفاد منها في حياته اليوميه لأنه لايستخدما من الأساس .

أما السبب الثالث بأنعدام الرغبه بأقتناء أي من السلع عائد لأنكسار النفس حيث أن السلع وبأختلاف تنوعها وأستخداماتها لم تعد لها حضور في وجدان الذات ووجودها وعدمها واحد !!


مثلما يفقد اللسان حاسه التذوق كليا فكل أنواع الطعام بلا مذاق ؟!

خرج المتسابق من المول ومعه 2000 دينار كامله كما هي لأنه لم تكن لديه رغبه حقيقه لشراء أي سلع معروضه .

قوه المال تكمن أنه ( وسيله ) للحصول علي كل مانشتهي وكل ما نرغب به أو نحتاج وليس للمال قيمه في ذاته لأنه ليس ( غايه ) بل ( وسيله ) مثل السياره فهي وسيله لنقلنا من نقطه أ الي نقطه ب لذالك السياره ليست غايه في ذاتها بل وسيله ومن لايخرج من منزله نهائيا السياره ليست لها قيمه نهائيا عند هذا الشخص كذالك المال فعندما لايعود للفرد رغبات أو حاجيات تشتري بالمال هنا يتحول المال تدريجيا الي مجرد أوراق نقديه مجمده لاقيمه لها كسياره معطله في كراج المنزل حيث قيمه المال تعلو  في الوجدان كلما أزدات الرغبات والأحتياجات التي لا يستطيع صاحبها تحقيقها إلا بالمال أما من فقد الحاجه والرغبه فقد معه المال بالتبعيه هيبته وقيمته وقوته ويصبح ورق أجوف بلا أدني قيمه بل قيمه أوراق ومحارم التنظيف تصبح أعلا وأكثر أهميه من قيمه الأوراق النقديه لأن لها أستخدام وحاجه فمعيار قيمه المال لايخرج عن أنه وسيله لتحقيق رغبات وحاجات ومن فقد هذه الرغبات والحاجات ذهب بريق المال من الوجدان وتلاشي .

مثالما أقتصاديات الدول تتأثر عملاتها نزولا أو صعودا بالأحداث السياسيه والأقتصاديه الكبري أو بأسعار البترول كذالك علي المستوي الفردي للأفراد تتأثر قيمه المال في الوجدان علي مدي توافر الرغبات والأحتياجات فكلما كانت الرغبات متصاعده أصبح للمال قوه وقيمه وأهميه للفرد كبيره ويضحي من أجله بالغالي والنفيس وكلما قلت الرغبات أو أنعدمت هبطت قيمه المال في الوجدان أو تلاشت كليا لذالك المال يغري كل من له رغبات وحاجيات كثيره ولايشكل أي قيمه أغرائيه كليا لمن ليس له أي رغبه أو زاهد أو راهب أو قديس فقد كل أحساس بملذات الحياه  .

أنكسار النفس جرد المال من قيمته حيث أن الأنفس المنكسره ليس لها رغبات أو أحتياجات تشتري بالمال

مثال رقم 2 عالم العواطف

الصداقه / الحب هي حاجات ورغبات وأماني وأحلام لكل أنسان إلا صاحب النفس المكسوره ؟!
  

بعد مرحله من الخبرات المتراكمه للأنسان وتوالي الخيبات ينضج الوجدان بما فيه الكفايه ليتعرف علي حقائق الأمور وجوهرها فمن ذاق مراره خذلان الصديق / الحبيب / .....الخ من مسميات يشكل ( الأخر ) محورها فلايوجد أمر في هذه الحياه يأتي دون ثمن ولا خبره دون تجربه نمشي في دروب الحياه نتمني تاره ونحلم تاره بالصديق وقت الضيق وبالحبيب وقت المغيب وعندما حان وقت الضيق تبخر الصديق وحان وقت المغيب تلاشي الحبيب وتجربه تلو الأخري جميعها تؤكد لامحاله أن من راهن علي ( الأخر ) كمن راهن علي الأرتواء من ماء السراب

يأتي وقتا أن لاتشعر كليا بأنك بحاجه لأي صديق أو حبيب أو أي أخر في حياتك بل الرغبه الحقيقيه التي تشعر بها أنك بحاجه للأبتعاد كليا بذاتك بعيدا عن ( الأخر ) وأن متعتك الحقيقيه وسلامك الداخلي في أن تضل بمفردك


من يشعر بالحاجه للحبيب في حياته هو أنسان لم تنكسر نفسه حتي تاريخه لذالك يضل مترقب علي الدوام ظهور هذا الحبيب ويشكل له أمنيه ورغبه وحلما وحاجه كذالك من يبحث عن الصديق .

تضل قيمه الحب أو الصداقه عظيمه في عين من يشعر بالحاجه والرغبه لهكذا نوع من القيم في وجدانه لكن من فقد الرغبه كليا والحاجه نهائيا لهذه القيم فلن يشعر بها ولن يلتفت لكل من حوله حتي إن كان بينهم من يحبه فعلا سواء كصديق أو حبيب فهو لا يشاهد ( الأخر ) لأنه غير مترقب لحبيب أو صديق أو أي علاقه من أي نوع .

عندما قال الفيلسوف الأغريقي بورتجراس (( أن الأنسان مقياس كل شي )) فكان يقصد أن كافه الحقائق والقيم نسبيه فلا حقيقه ثابته فالحقيقه اليوم ربما كذبه الغد وكذبه اليوم ربما حقيقه الغد وذات الأمر في قاموس القيم فلا قيمه لأي أمر في ذاته بل في نظرتي له فالأنسان هو من يعلي شأن أو يخفض شأن أي قيمه لأنه المقيم الوحيد .

بالتأكيد هناك أعتراضات من مناهضي فكر بورتجراس في مجال القيم الأخلاقيه حيث أن الصداقه قيمه في ذاتها والحب قيمه في ذاته وربما حديث بورتجراس سليم في قيمه المال لأنه ليس قيمه في ذاته بل وسيله لكن الصداقه قيمه في ذاتها

وبعيدا عن جدل من ضد أو مع فكر بروتجراس نجد أن أصحاب الأنفس المنكسره وبغض النظر عن مقوله بورتجراس فقدوا الحاجه والرغبه والحلم والأمنيه بقيمه الصداقه وقيمه الحب في وجدانهم ولم يعد هناك أي أحساس حقيقي للأخر نهائيا في وجدانهم .

ونقيس علي ذالك في شتي المجالات والميادين كل القيم في هذه الحياه وبغض النظر إن كانت قيم في ذاتها أم لا فأنها تصبح بلا قيمه إذا لم تشكل رغبه وحاجه حقيقيه في الوجدان بعيدا عن التنظير والجدل السفسطائي حول القيم في ذاتها والقيم المرتبطه بالنسبيه .

كل القيم نسبيه وهذا أتجاه فكري يربط القيم بمدي الحاجه لها بل نجد القيم الجماليه المجرده علي سبيل المثال وليس الحصر كمشهد الزهور بالبستان فمن شعر بجمال هذا المشهد كان يمر بحاله وجدانيه معينه مكنته من الشعور بجماليه الزهور لكن هناك شخص ربما لم يلتفت لهذا الجمال كليا لأنه في حاله وجدانيه مغايره كليا لذالك طبقا للنفس وحالاتها تتشكل القيم ولا قدسيه لقيمه إلا وفق حاجتي ورغبتي بها وهذا أتجاه فكري ربما ليس صائب كليا لكنه أيضا ليس خاطئ ؟! .



-----عندما تتحطم أمانيك وأحلامك وتتكتشف فجأه أن جهد تحقيق هذه الأحلام والأماني ضاع هدرا وأنها لم تكن تستحق كل هذا العناء ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )

---- عندما تأتي أمانيك في غير وقتها ولا مكانها ولا زمانها كمن يتلوي جوعا يشتهي الطعام ولكن الطعام لم يأت عند الجوع والحاجه الحقيقيه له وحضر عند الشبع وعدم الرغبه به ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )

---- عندما تخذلك الظروف في أشد أوقاتك ضعفا وتشعر بالحاجه لدفئ حضن الحبيب ولم تجده وعندما أصحبت قويا ولست في حاجه لأحد ظهر هذا الحبيب ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )


---- عندما تكتشف فجأه أن رهانك علي الأخرين أيا ما كانوا ( أصدقاء / أحباء .....الخ ) رهانا خاسرا ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )

----- عندما تكتشف فجأه مأساه كبيره بأنك نسيت أمرا هاما جدا ما كان يجب أن تنساه قط ! وهو أنك نسيت أن تعيش وتحيا !!!!!!!!!!! ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )

----- عندما تشاهد صورتك وتتلمس ملامحك وتبكي ( هي حاله من حالات أنكسار النفس )


أنكسار النفس هي المرحله التي لم تعد راغبا بها كليا بأي أمر أو أحد عدا ذاتك وهنا فقط كل قاموس القيم يسقط ويتهاوي واحدا تلو الأخر لأنك أصبحت حاليا أنت القيمه الوحيده التي تستحق العناء من أجلها

مستشار علاقات عاطفيه وزوجيه وأجتماعيه أنسانيه /طريق الثراء السريع

  طريق الثراء السريع أعلان هام للعاطلين عن العمل وظيفه أستاذ مستشار عالمي في مجال العلاقات الزوجيه والعاطفيه والأنسانيه والأجتماعيه شاغر...